إننا نحن إن (نحتكر) أفكارنا وعقائدنا، ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم، ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا، وعدوان الآخرين عليها، إننا إنما نصنع ذلك كله، حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد كبيراً، حين لا تكون منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي ذاتها أحبَّ إلينا من ذواتنا!
إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكاً للآخرين، ونحن، بعدُ، أحياء، أنّ مجرد تصوُّرنا لها أنها ستصبح – ولو بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض زاداً للآخرين ورياً، ليكفي لأن تفيض قلوبنا بالرضا والسعادة والاطمئنان!
“التجار” وحدهم هم الذين يحرصون على “العلاقات التجارية” لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم من الربح، أما المفكرون وأصحاب العقائد، فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم، ويؤمنوا بها إلى حدِّ أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين!
إنهم لا يعتقدون أنهم “أصحاب” هذه الأفكار والعقائد، وإنما هم مجرد “وسطاء” في نقلها وترجمتها.. إنهم يحسون أن النبع الذي يستمدون منه ليس من خلقهم، ولا من صنع أيديهم. وكل فرحهم المقدس، إنما هو ثمرة اطمئنانهم إلى أنهم على اتصال بهذا النبع الأصيل!..
الفرق بعيد.. جداً بعيد..: بين أن نفهم الحقائق، وأن ندرك الحقائق.. أن الأولى: العلم.. والثانية هي: المعرفة!..
في الأولى: نحن نتعامل مع ألفاظ ومعان مجردة.. أو مع تجارب ونتائج جزئية..
وفي الثانية: نحن نتعامل مع استجابات حية، ومدركات كلية.
في الأولى: ترد إلينا المعلومات من خارج ذواتنا، ثم تبقى في عقولنا متحيزة متميزة..
وفي الثانية: تنبثق الحقائق من أعماقنا. يجري فيها الدم الذي يجري في عروقنا وأوشاجنا، ويتسق إشعاعها مع نبضنا الذاتي!..
في الأولى: توجد “الخانات” والعناوين: خانة العلم، وتحتها عنواناته وهي شتى. خانة الدين وتحتها عنوانات فصوله وأبوابه.. وخانة الفن وتحتها عنوانات منهاجه واتجاهاته!..
وفي الثانية: توجد الطاقة الواحدة، المتصلة بالطاقة الكونية الكبرى.. يوجد الجدول السارب، الواصل إلى النبع الأصيل!.






