يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة للدولة السورية: هل تمتلك القدرة على بناء دولة مستقبلية آمنة وناجحة، يُراعى فيها حقوق المواطنين، ويلتزمون بتأدية واجباتهم فيها؟ وهل هي قادرة على ضمان تلك الحقوق، في ظل واقع سياسي تعكره مطبّات داخلية قد تكون تلقائية نتيجة سنوات الحرب الطويلة، أو مصطنعة من جهات تريد الإبقاء على البلد في فوضى عارمة، تؤخر تقدمه وانخراطه الكامل في السياسة الدولية؟
تواجه الشارع السوري رغم مشاغله اليومية، مواضيع عدة، قد يكون إحداها موضوع انتخابات المجلس التشريعي ، هل وضعت الحكومة هذا النظام لضمان تمرير قرارات وتوصيات ومواد في الدستور لصالحها؟ أم أن الواقع فرض عليها هذه الطريقة؟من مراجعة أسماء اللجنة المكلّفة، نجد أنهم قاموا بتحديد هذه الطريقة وفق معايير وآليات وضوابط واعتبارات عديدة أُجبروا عليها، ولم يكن للحكومة يد في الأمر، ولم تفرض عليهم رؤية ما أو أسلوباً معيناً، ولم يكن هدفها توليد سلطة تشريعية موافقة لتطلعاتها.
بدليل أن رئيس الجمهورية تُركت له نسبة 30% من الأعضاء، وكانت هذه فكرة ممتازة، لأن الرغبة الشعبية، ونتيجة سنوات الثورة، أصبح لديها تخوّف كبير من تولي الأقليات لزمام الحكم، لذلك تريد تأهيل وتنصيب من هم معها. وفكرة 30% تعدّل هذه الأمور، بحيث يضع الرئيس أفراد الأقليات ولا يتم إقصاؤهم.
من وجهة نظر شخصية، لا أعتقد أن البرلمان الحالي سيكون أداة بيد الحكومة أو الدولة بشكل سيئ، ولن يكون وسيلة للهيمنة على السلطة، بل هناك تنوّع فكري حاد بين من تم انتخابهم؛ فكل منطقة أفرزت عناصر متنوعة، معظمهم من أبناء الثورة، لكن ليسوا من نمط فكري واحد. هذا على الأقل ما أعرفه من خلال الأسماء التي قرأت عنها.
المرحلة الانتقالية الحالية ليست بحاجة إلى شرعية من مجلس النواب، بل أخذت شرعيتها الإقليمية والدولية من خلال عدة أمور، سواء اللقاءات والاجتماعات أو رفع العقوبات أو غيرها. هذه مرحلة لا بد من تداركها بالطريقة المثلى. قد يكون هناك حذر مشوب بالخوف، وهذا طبيعي.
أي دستور يحقق تطلعات الشعب، ويكون الجميع فيه تحت سقف القانون، ويحمي أفراده بلا استثناء، هو الدستور العادل. وعلى الجميع أن يدرك أن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة. فلا حرية كاملة للأفراد تؤثر على حريات
الأخرين، و لا يوجد دستور في العالم يتم التوافق على كامل بنوده؛ فلا بد لجهة ما أن تعترض على بند معين، وجهة أخرى أن تعترض على بند آخر، وهكذا، ونلاحظ ذلك في كل دساتير العالم.
فأهم نقاط أي دستور هي عدم تجاوزه، وعدم استغلال ثغراته لصالح فئة أو مجموعة أو شخص ما.
فوجود المحكمة الدستورية، التي يُعرض عليها تجاوز الدستور، يجب أن تكون هي أعلى هيئة في هذا الأمر، وتستطيع توضيح كل التجاوزات دون خوف أو وجل من رئيس أو حكومة أو برلمان، فهي المنوطة به.
ما دامت هذه المحكمة موجودة، فلن يحصل انقسام حول الدستور، ولن يكون هناك هاجس للتقسيم أو الانفصال.
في زمن الانتقال، لا تُبنى الدول بالنيات و الرغبات وحدها، بل بمؤسسات تعمل تحت ضغط الواقع، و تواجه مجتمعاً منهكاً، وكذلك بالدساتير التي تُصان و لا تُستغل، وبالتمثيل الذي يُوازن بين الهواجس الشعبية ومتطلبات التعددية.
إن ما يُرسم اليوم في سوريا ليس مجرد هيكل سياسي صوري، بل اختبار حقيقي لقدرة أبناء الثورة على التحوّل إلى دولة ، ولقدرة الدولة على احتواء هؤلاء و غيرهم دون أن تبلعهم.
فما بين البرلمان المتنوع، والدستور القائم على حماية ، والشرعية التي جاءت من الخارج وتُختبر في الداخل، تبقى الإجابة على سؤال: عملية البناء مرهونة بصدق النوايا، ووضوح الرؤية، واستقلال المؤسسات.






رائع