زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة يحاول تفسيرها وإسقاطها على الواقع المعاش أو على التاريخ الماضي، ومنها فكرة تزاوج السلطة والمال أو السلطة والدين.

هذا التزاوج كان على مر العصور وسيلة للسيطرة والقدرة على فرض رؤى وأهداف ومصالح تخص هذا التحالف، وعندها تبحث السلطة عن الشرعية، ويبحث المال عن الحماية، وتختلف التحالفات التي تحقق ذلك من عصر إلى آخر.لنسميه تحالف لأنه قد يتفكك في مرحلة ما نتيجة ظروف متنوعة، (انتهاء المصلحة، تفكك العائلة، تغيير الإيديولوجية، الانتقال إلى مسار آخر) وهكذا…

وتنوعت أنماط التزاوج بحسب الحقبة التاريخية، أو البيئة الاجتماعية، قديماً المصاهرة بين الأسر الحاكمة والنبلاء، هي أحد المحركات الأساسية للسيطرة على  مساحات شاسعة ودول وأقاليم، وكانت هدفاً لمنع الحروب بين الدول، ثم تحولت في مرحلة لاحقة للسيطرة على الأسواق و تخدم زيادة الرأسمالية و تضخمها، و تحولت في المراحل المتأخرة لشركات و مجموعات ضغط عابرة للقارات، تصنع من نفسها دولاً و كانتونات داخل الدولة، تحميها من السقوط، و تستخدم كلتا القوتين لبسط النفوذ، حيث كانت المصاهرة إحدى أهم أدوات تثبيت التحالفات بين مراكز القوة.

إن زواج المال والسلطة (أو الزواج السياسي) يكشف عن “ترتيب اجتماعي” كان، ولا زال، إحدى أكثر الأدوات براغماتية في إدارة المجتمعات. نحن هنا نتحدث عن تحويل “العقد الاجتماعي” إلى (عقد ملكية) أو (اتفاقية اندماج) أو (تحالف)،

نذكر على سبيل المثال و ليس الحصر:

v    عائلة مديتشي في فلورنسا: هذا هو النموذج الأوضح لتحول “المال” إلى (سلطة). بدأت العائلة كأصحاب بنوك (ثروة طائلة)، ثم استخدموا هذا المال لشراء النفوذ السياسي، وتوجوا ذلك بمصاهرات مع عائلات ملكية في أوروبا (مثل كاترين دي مديتشي التي أصبحت ملكة فرنسا). هنا، المال هو الذي صنع الكرسي.

v    كوريا الجنوبية: عائلات تمتلك شركات ضخمة (مثل سامسونج وهيونداي) ترتبط بعلاقات مصاهرة ونفوذ مع النخبة السياسية. هذا التزاوج خلق قوة اقتصادية هائلة، لكنه جعل الدولة والشركة كياناً متدخلاً يصعب الفصل بينهما.

v    عائلة هابسبورغ: شعارهم الشهير كانليخض الآخرون الحروب، أما أنتِ أيتها النمسا السعيدة، فتزوجياعتمدت هذه العائلة على المصاهرة للسيطرة على مساحات شاسعة من أوروبا (النمسا، إسبانيا، هولندا، وأجزاء من إيطاليا). هنا كانت السلطة (العرش) تتزوج من المال (الأراضي والموارد والضرائب) لضمان عدم خروج الثروة من العائلة.

   في هذا النوع من الارتباطات، لا يُنظر للطرفين كأفراد، بل كمراكز قوى وتوازن.

السلطة: توفر الحماية القانونية، النفوذ، والشرعية.

المال: يوفر التمويل اللازم لاستدامة تلك السلطة، سواء لبناء الجيوش، تمويل الحملات الانتخابية، أو السيطرة على الموارد.

النتيجة هي خلق “كيان” محصن ضد الاختراق الخارجي، حيث يغلق الطرفان الدائرة على الموارد والنفوذ. وتذوب الهوية الفردية لمصلحة الهوية العائلية.

لكن هناك بعض الحالات التي كانت وبالاً على بعض الدول، وخاصة التزاوج الذي حصل بين إنجلترا وفرنسا، فحرب المائة عام. بدأت لأن ملك إنجلترا (إدوارد الثالث) كان يعتبر نفسه الوريث الشرعي لعرش فرنسا عبر والدته “إيزابيل” (ابنة ملك فرنسا). هنا، تحول الزواج الذي كان يُفترض أن يربط الدولتين إلى ثغرة قانونية سمحت للإنجليز بالمطالبة بالتاج الفرنسي، مما أشعل حرباً دامت أكثر من قرن.

لا يمكن الحديث عن إنجلترا وفرنسا (وأوروبا عموماً) دون ذكر هنري الثامن. عندما أراد التخلص من زوجته “كاترين أراغون” (التي كانت تربط إنجلترا بإسبانيا والكنيسة الكاثوليكية)، لم يكتفِ بالطلاق، بل غير خريطة الولاءات السياسية والدينية في أوروبا، مما تسبب في صراعات وحروب دينية وسياسية استمرت لقرون.

في واقعنا الحالي كَثرت الأمثلة:

تزاوج المصالح والروابط بين الأردن وبريطانيا يمثل حالة فريدة في العلاقات الدولية، فهو يتجاوز “التحالف السياسي” التقليدي ليدخل في عمق تأسيس وبناء هيكلية الدولة“. هذا الارتباط ليس وليد اللحظة، بل هو عقد استراتيجي بدأ منذ لحظة التأسيس وما زال مستمراً بأشكال معاصرة.

حيث كان الهاشميون يمتلكون الشرعية التاريخية والدينية، بينما كانت بريطانيا تمتلك القوة العسكرية والسياسية لإعادة رسم خارطة المنطقة. “كلوب باشا” والضباط الإنجليز الذين ساهموا في بناء “الجيش العربي” (القوات المسلحة الأردنية).

حتى اليوم يتخرج ملوك الأردن ومعظم قياداته العسكرية من أكاديمية – ساندهيرست -البريطانية، مما خلق “لغة مشتركة” وفهماً عميقاً بين النخبة الحاكمة في البلدين.

كذلك في مصر، حدث تزاوج جديد في السبعينيات والثمانينيات:

السلطةالمؤسسة العسكرية والأمنية التي تدير الدولة.

المال: طبقة “رجال الأعمال” (الانفتاح الاقتصادي) ما سُمِيّ بـ”رأسمال المحسوبين على الدولة”، حيث تزاوج أبناء القادة السياسيين والعسكريين مع عائلات تجارية كبرى. السلطة توفر “التسهيلات والقوانين”، والمال يوفر “الواجهة الاقتصادية والتمويل“.

 ويعد تزاوج السلطة البريطانية والمال اليهودي من أخطر هذه الزواجات، فقد تم بناءً عليها وعد بلفور المشؤوم، حيث الإمبراطورية البريطانية التي كانت تبحث عن تمويل لحروبها وضمان ولاءات استراتيجية في الشرق الأوسط، مع الإمبراطورية المالية التي مولت حكومات وأسست بنوكاً مركزية.

فلم يكن “وعد بلفور” مجرد ورقة سياسية، بل كان تتويجاً لتزاوج بين نفوذ مالي ضخم يحتاج “وطناً” وقوة استعمارية تحتاج “تمويلاً وتثبيتاً” لمصالحها.

يضاف إليه بالطبع الموقع الجغرافي لفلسطين، وحسابات الحرب العالمية الأولى، والضغط الذي مارسته الحركة الصهيونية.

من خلال ما سبق، نلاحظ أن “المال” دائماً ما يبحث عن “غطاء” (سواء كان ديناً، أو جيشاً، أو قانوناً).

بالرغم من وجود تفككٍ ظاهريٍ في بعض هذه الزيجات، وسقوط عواملها التي بنيت عليها، إلا أن السؤال المهم هو: أيُ من هذه التحالفات أو الزيجات يمكن أن يكون الأكثر صموداً أمام “الثورات” أو التغييرات المفاجئة؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

زيارة الشرع ….الوضع اللبناني

القناة التاسعة - برنامج بوِ خبر المقدم : مصطفى مؤمن  الضيف:...

العناوين

نشيد/ سمعي يرى ……..مشاري العرادة

أنشودة  https://www.youtube.com/embed/S_adAf4JNps  كلمات تخاطب الوجدان وتسأل عن فعل الإنسان 

كيف يتم اتهامك بالإرهاب ؟

حادثة صغيرة أحياناً تلهمك بالحديث عن موضوع هام وشائك،...

تصريح لافروف حول انتهاء العمليات العسكرية في سورية

تثير تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم أمس،...

حمص العدية …….فراس النجار

حمص يا بنت الوليد   لـكِ حِـمصُ يـا بـنتَ الـوليدِ سلامُ...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img