أبو خالد السوري ….قائد الظل

 يُعتبر أبو خالد السوري واسمه الحقيقي (محمد  بهايا) من الشخصيات المحورية التي ربطت بين جيل “الجهاد       العالمي” القديم وبين التحولات الميدانية في الثورة السورية. كان يمثل “الحرس القديم” الذي يحظى باحترام             الجميع،  حتى تحول إلى خصم لدود للتنظيمات الأكثر غلواً.

      كان أبو خالد هو “الأب الروحي” والموجه لحركة أحرار الشام منذ بداياتها.

ساعد في صياغة ميثاق الشرف الثوري” الذي حاول تقديم نسخة “وطنية إسلامية” للثورة السورية، و هذا ما ميز الحركة و جعلها قبلة لمعظم الثوار، الذين وجدوا فيها ما يلائمهم، فكراً و عملاً و تطبيقاً للشرع، دون غلو.

ولأن الحركة، تجمع مجموعات جهادية صغيرة، عمل على توازن القوى داخل الحركة لمنع انجرافها نحو التطرف الكلي أو الذوبان في الفصائل الأقل انضباطاً، فكان هناك شرعيين على قدر من الوعي و الفهم و التأصيل.

       اتسم منهج أبو خالد السوري بمزيج بين عقيدة متينة و واقعية سياسية، ويمكن تلخيص فكره في النقاط التالية:

رغم خلفيته في تنظيم القاعدة، إلا أنه كان يؤمن أن المعركة في سوريا، يجب أن تظل *سورية الهدف والقيادة*، بعيداً عن الصراعات العابرة للحدود التي قد تضر بالثورة.

كان يمثل الخط “المعتدل” داخل التيار السلفي الجهادي. عارض بشدة نهج *التكفير الشامل*و*تصفية الخصوم* الذي اتبعه تنظيم داعش، وكان يراه انحرافاً عن مقاصد الدين.

آمن بضرورة الانخراط مع المجتمع المحلي ( الحاضنة الشعبية) وعدم فرض أحكام متشددة تنفر الناس من العمل المسلح.

لم يكن أبو خالد مجرد مقاتل جهادي سلفي، بل كان “فكراً تنظيمياً “.

ساهم في تحويل مجموعات قتالية صغيرة، متناثرة ذات نهج فكري واحد إلى مجموعة عسكرية قوية ذات نهج معتدل هي حركة أحرار الشام الإسلامية، والتي كانت تعد التنظيم الأكثر انضباطاً ومؤسساتياً في الساحة السورية.

كان يرفض التفرد بالقرار ( المركزية المطلقة ) و يصر على تفعيل مجالس الشورى داخل الفصائل، ففي أحرار الشام اعتمد على نهج حرية التحرك، وفق المعطيات الميدانية، بحيث أن كل منطقة هي الأقدر على تقدير ظروفها القتالية.

لم يكتفِ بتجميع الفصائل، بل سعى بجهد حثيث لتأسيس “الجبهة الإسلامية”، وهي تحالف عريض يضم كبرى الفصائل لتوحيد القرار العسكري والسياسي، و جعل له مكاتب سياسية و إعلامية.

     امتلك أبو خالد شبكة علاقات هي الأقوى بين أقرانه، كان صديقاً مقرباً من أسامة بن لادن وعبد الله عزام منذ              أيام الجهاد الأفغاني.

و كان يُنظر إليه كممثل لشرعية القاعدة في سوريا، لكنه لم يكن يتبنى خطابها التصادمي مع المجتمع الدولي بنفس الحدة، لذا اعتبره البعض نائباً للدكتور أيمن الظواهري.

وقد تأثر أبو خالد السوري بحالة الصدام الجهادي السوري القديم (الطليعة المقاتلة) الذي نشأ في السبعينيات والثمانينيات، و رَسَخَ في ذهنه أن الأنظمة الشمولية لا يمكن اسقاطها بسهولة، لابد من خطة متكاملة تعتمد على أسباب القوة في كل شيء.

لكنه يرتكز على فكر و منهج استخدمه أبو خالد للوصول لهدوء نسبي، قدر الإمكان، بحيث تميزت طريقة عمله بالهدوء والعمل خلف الكواليس:

الوساطة وفض النزاعاتنظراً لمكانته التاريخية، كان يُستدعى دائماً لحل الخلافات بين الفصائل. لقب بـ “رجل الإجماع” في مرحلة ما.

التخفي والسريةرغم دوره القيادي، و كونه فاعلاً في تنظيم القاعدة، ظل بعيداً عن الأضواء والإعلام لفترة طويلة، مفضلاً إدارة الملفات الحساسة بسرية، و لم يعرفه إلا القليل من القيادات العاملة ضمن التنظيمات الجهادية،

دوره في التحكيم و نظراً لفكره و منهجه، و طريقته الدبلوماسية، و عدم وجود خصومات مع الأخرين، كان المفوض الرسمي من قبل قيادة القاعدة (أيمن الظواهري) للفصل في الخلاف الشهير بين “جبهة النصرة” و”تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، بعد خروج جبهة النصرة من عباءة تنظيم الدولة وهو الدور الذي جعله هدفاً مباشراً للأخير.

     اعتبر تنظيم البغدادي، أبو خالد السوري خصماً له و عدواً، بعد ارساله من قبل الظواهري، لفض الخلاف بين             التنظيم و جبهة النصرة، حيث أرسل عنصرين من التنظيم لقتله،  قُتل أبو خالد السوري في فبراير 2014 في مقر      تابع لأحرار الشام بحلب، إثر هجوم انتحاري . مقتله كان نقطة تحول كبرى، كان لمقتله نتائج سيئة فالرجل كان           معتدلاً، محبوباً من الفصائل الإسلامية، لكنه مكروهاً و خصماً لتنظيم البغدادي وانتهت أي فرصة للصلح بينهما.

و أدى إلى اندلاع مواجهات شاملة واقتتال داخلي مرير، خسرت من خلاله الساحة السورية عناصر بارزة.

خسرت الساحة السورية برحيله أهم “جدار صد” للتطرف وآخر الشخصيات القادرة على جمع كلمة الفصائل.

    أبو خالد لم يبتكر السلفية الحركية، بل هو وريث شرعي لمدرسة بدأت ملامحها قبل الثورة السورية بعقود، ويمكن    تقسيم من سبقوه أو شاركوه فقد كان الشيخ/ محمد سرور زين العابدين هو الأب الحقيقي لهذا المنهج (السلفية         الحركية). هو أول من دمج بين عقيدة ابن تيمية وحركية الإخوان المسلمين في الستينيات والسبعينيات. أبو خالد          السوري كان يمثل “النسخة القتالية” من هذا المزيج.

    بينما كان  في الداخل السوري، مروان حديد في السبعينيات. لكن مروان كان يميل للصدام المباشر السريع،  بينما        كان أبو خالد أكثر هدوءً ونفساً طويلاً في البناء التنظيمي.

قام بـ “التطبيق” على الأرضلذا، فهو ليس متفرداً في “الفكرة”، ولكنه متفرداً في “القدرة على التنفيذ” وامتلاك الشرعية التاريخية التي جعلت المقاتلين يسمعون له.

   أبو خالد السوري لم يكن “مخترعاً” لمنهج جديد، بل كان المحرك” الذي حاول قيادة كتل صاخبة من الفصائل         المتناحرة مستخدماً منهجية كتبها قبله الشيخ (محمد سرور زين العابدين وأبو مصعب السوري). تفرده كان في          قدراته القيادية التي استخدمها في الإقناع، أكثر مما كان في حداثة أفكاره.

   كان يمثل ( محور الثقل ) داخل الحركة الجهادية، حيث حاول الموازنة بين الهوية الإسلامية وبين متطلبات الثورة ،      وهو ما جعله عدواً للتنظيمات العابرة للحدود التي رأت في مشروعه “الوطني” تعارضاً مع أهدافها.

   من خلال متابعتي و قراءاتي المستمرة لهذه النماذج، أدركت أن أبو خالد السوري و أبو مصعب السوري، كان من       الممكن أن يشكلا حالة من التوازن، و كذلك قوة في التنظيم، و قيادة تستطيع خوض غمار الثورة، بنفس طويل، و       إرادة صلبة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

السياسة والثورة في داخلي

لم أدخل السياسة يومًا كمجرد خيار أو مهنة، ولم...

غذي روحك….نهضة أمة

                 ...

سامحني يوب

أداء : صقر حمص ( تيسير غليون ) https://www.youtube.com/embed/xEzpK6E8Slw
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img