لم أدخل السياسة يومًا كمجرد خيار أو مهنة، ولم تكن لحظة اكتشاف أو اهتمام عابر. أنا وُلدت فيها، وغرست جذورها في طفولتي قبل أن أعيها.
كنت أقرأ التاريخ، وأراقب الأحداث، وأشعر بها في جسدي وروحي، كأنها حكاية شخصية قبل أن تكون حكاية العالم.
كبرتُ وأنا أرى السياسة تتحرك حولي، تحاصرني، تسكن داخلي، تسرق مني الصمت والراحة، وتفرض على أفكاري مشهدًا دائمًا من المراقبة والتحليل.
لم تعد السياسة مجرد معرفة… بل هي أنا، هي الطريقة التي أتنفس بها وأتفاعل بها مع كل شيء حولي.
ثم جاءت الثورة… الثورة التي لم تكن حدثًا خارجيًا، بل انفجارًا داخليًا.
عشتها لحظة بلحظة، دفعت ثمنها من روحي، من أهلي، من عائلتي، وحتى من جسدي ودمائي.
الثورة لم تكن مجرد احتجاج أو غضب؛ كانت فعل اجتثاث للباطل من جذوره، محاولة لإعادة الإنسان إلى صميم حريته وكرامته.
كانت الثورة هي الوجدان، المبدأ، الطريق الذي جعلنا نميز بين الأبيض والأسود، بين الحق والباطل، بين الضوء والظلال.
قاتلنا لأجلها، خسرنا، ابتعدنا عن كل رمادي وكل شوائب، لم يكن هناك مساحة للوسطية أو التنازل.
كانت ناصعة، حادة، قاسية، لكنها كانت الحقيقة التي اخترنا أن نحياها مهما كلفنا ذلك.
كل لحظة فيها تركت أثرها في داخلي، كل موقف، كل قرار، وكل خسارة أو انتصار، شكلتني، علمتني، أرهقتني، لكنها جعلتني أكثر وضوحًا مع نفسي ومع العالم.
السياسة والثورة لم تتركا في داخلي أثرًا عابرًا… بل تركتا جذورًا عميقة، جروحًا وطبقات من الوعي التي لا تزول.
أصبحت أرى كل شيء من خلالهما: علاقاتي، مواقفي، شعوري بالآخرين، وحتى لحظات الفرح الصغيرة، لم تعد عفوية، بل مشحونة بالتحليل والمعنى.
أصبح كل شيء في حياتي مرآة للسياسة والثورة، لم أعد أستطيع فصل نفسي عنهما، حتى حين أحاول الانفصال، أجد نفسي أعود إليهما بلا وعي، كأنهما قدر لا مفر منه.
أعرف الآن شيئًا واحدًا بوضوح كامل: لم أعد قادرًا على الهروب.
السياسة ليست إطارًا خارجيًا، والثورة ليست حدثًا عابرًا.
كلاهما أصبحا جزءًا مني، من تكويني، من صوتي، من دمي.
وأنا أواصل، رغم التعب والخسارات، لأن هذا الطريق—ولو كان قاسيًا—هو الطريق الوحيد الذي يشبهني، الطريق الذي لم يخدعني، والطريق الذي سأحمله حتى آخر يوم.






