يتداول الصحفيون والكتاب، وحتى بعض السياسيين، مصطلح “الدول الشمولية” أو “الأنظمة الشمولية“.
لكن المواطن العادي، حين يسمع هذه المصطلحات، لا يعرف ما تحتويه من معانٍ وتعابير، وما هي الأدوات التي تستخدمها هذه الأنظمة، وكيف وصلت إلى فرض الشمولية على مواطنيها، وإنما يعتقد أنها أنظمة مستبدة.
وهذه الأنظمة لا تتبنى إيديولوجيا معينة لأنها تؤمن بها، بل لأنها تحتاج لطريقة فكرية تبرر من خلالها السيطرة المطلقة.
علينا التفريق بين النظام الشمولي والنظام السلطوي، فقد يحدث التباس بينهما. وللتوضيح أكثر، هناك نقاط تشابه واختلاف بينهما.
أولًا: التعريفات الأساسية
النظام السلطوي
• يقوم على الاحتكار السياسي للسلطة.
• يسيطر على الحكومة، لكنه قد يترك بعض المجالات الاجتماعية أو الاقتصادية حرة نسبيًا، مع قدرة على التحكم بها وقت الحاجة، وقد يعمد للسيطرة غير المباشرة عليها.
• في معظم هذه الأنظمة، لا يفرض أيديولوجيا شاملة على الفرد في التفكير أو السلوك، لكن لديه القدرة على توجيه تلك الأيديولوجيا لتخدم مصالحه.
• الهدف الرئيسي: الحفاظ على السلطة السياسية، والتي تعتبر الركيزة الأساسية في فرض سيطرته غير المباشرة، وليس هدفه إعادة تشكيل المجتمع بالكامل.
النظام الشمولي
• يتعدى السيطرة السياسية إلى السيطرة على كل جوانب حياة الإنسان: الفكر، التعليم، الإعلام، الاقتصاد، الثقافة، وحتى الاهتمامات والهوايات، ويبدأ من الفرد إلى المجتمع بكامله مرورًا بالعائلة.
• يعتمد أيديولوجيا شاملة تحكم كل شيء وتبرر كل القرارات، بل تبرمج الأدمغة للدفاع عن هذه الأيديولوجيا.
• الهدف: إعادة تشكيل المجتمع والفرد، وخلق “الإنسان الجديد”، و”الموقف الموحد”، و”الرغبات المشتركة” وفق رؤية الدولة.
ثانيًا: أوجه التشابه بين النظامين
1. احتكار السلطة السياسية.
2. استخدام القمع عند الحاجة.
3. غياب الحريات الأساسية.
ثالثًا: أوجه الاختلاف بين النظامين
1. الهدف: السلطوي (السلطة)، الشمولي (تشكيل المجتمع).
2. السيطرة: السلطوي (سياسية)، الشمولي (شاملة متحكمة).
3. الحياة الخاصة: السلطوي (نسبية)، الشمولي (مراقبة مستمرة).
4. الأيديولوجيا: السلطوي (غير موجودة أو ضعيفة)، الشمولي (أساس البقاء).
5. القائد: السلطوي (نسبية)، الشمولي (عماد المجتمع).
رابعًا: أمثلة تاريخية
• النظام السلطوي: إسبانيا (فرانكو).
• النظام الشمولي: ألمانيا النازية، الاتحاد السوفيتي (ستالين – بريجينيف).
خامسًا: أنواع الأنظمة الشمولية
تختلف تلك الأنظمة وتتوسع لتشمل كل النواحي، فهي:
1. القومية المتطرفة
o تمجيد الأمة والقائد (باعتبارهما واحدًا، فلا فرق بين الأمة والقائد، فكلاهما يتجسد في شخصية القائد).
o شيطنة الخارج (على اعتبار أن الخارج أفكاره تضر بالأمة ويريد الهيمنة على مقدراتها).
o مثال: الفاشية، النازية، البعث.
2. الاشتراكية السلطوية / الشيوعية القاسية
o شعار العدالة الطبقية (الجميع متساوٍ بالأخذ والعطاء).
o الحزب هو الدولة (يقود المجتمع حسب رؤية القائد).
o مثال: الاتحاد السوفيتي، كوريا الشمالية.
3. دكتاتورية الفرد (عبادة الشخصية)
o القائد فوق كل شيء (ومن يخالفه فقد خالف الإجماع على الأمة، وهو إمبريالي خائن).
o مثال: كوريا الشمالية، تركمانستان، سوريا الأسد.
4. الشمولية الدينية المؤدلجة
• خطاب ديني مطلق (يسير بالتساوي مع فكرة القائد والرمز، وأنه وكيل الله على الأرض).
• مثال: إيران، طالبان.
القاسم المشترك:
الرغبة في السيطرة الكاملة على الإنسان: فكره، صوته، حياته، خوفه، رغباته.
سادسًا: كيف يتم تطويع الشعوب؟
تتعدد وسائل هذه الأنظمة وتتنوّع، وتستخدم العامل النفسي بالضغط على الأفراد والمجتمع ككل.
• تثبيت فكرة الخوف: الاعتقال، التصفية، الإخفاء، التعذيب، الحروب الداخلية التي تعتمد على افتعال الشرخ العرقي والإثني والطائفي.
• استخدام وسائل الدعاية: الإعلام الموجّه، المناهج الدراسية، الأغاني الحماسية، تمجيد القائد وتعظيمه، وفي بعض الحالات تأليهه، تزوير التاريخ وتثبيت هذا التزوير في أذهان النشء.
• الإجبار على الولاء القسري: المسيرات، الشعارات، صور الحاكم وجعله النموذج والمثل الأعلى، الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع.
النتيجة: تهميش المجتمع وتبعيته، وانزلاقه في هوة سحيقة.
سابعًا: أدوات الأنظمة الشمولية
• الجيش: عقائدي حسب فكر الحزب والقائد، هدفه حماية القائد وأسرته وعناصره المقربة.
• الأجهزة الأمنية: تراقب الجميع من خلال الجميع، ودرع لحماية القائد الرمز.
• الحزب الواحد: قائد للدولة، مع خلق أحزاب تسير وفق منهجه ولمصلحته، خلق معارضة داخلية يتم إسكاتها ببعض المكاسب، جعل روايته هي الأكثر شيوعًا والأكثر صدقية.
• الاقتصاد المسيطر عليه: من خلال التحكم بمقدرات الدولة، توزيع على الموالين، زرع الفساد لضمان الولاء، التحكم بالقوة الشرائية للمواطن، سن القوانين التي تحتكر الاقتصاد والمؤسسات الوطنية.
ثامنًا: الدول الشمولية المعاصرة
• كوريا الشمالية – إريتريا – تركمانستان – الصين (سلطوية شديدة الرقابة) – إيران (ثيوقراطية سلطوية) – سوريا (سلطوية عسكرية ببنية شمولية عائلية طائفية).
تاسعًا: شموليات القرن العشرين
• ألمانيا النازية – إيطاليا الفاشية – الاتحاد السوفيتي – يوغوسلافيا – رومانيا – كمبوديا – العراق – ليبيا – كوبا – الصين الماوية.
السمات المشتركة:
قائد مطلق، حزب واحد، دعاية واحدة، اقتصاد موجّه، جهاز أمني، تبجيل القائد، قتل السياسة، شعب مجبر.
عاشرًا: الجذور التاريخية للشمولية
• روما الإمبراطورية – فرنسا قبل الثورة – روسيا القيصرية – الإمبراطوريات الصينية (أقرب إلى السلطوية منها إلى الشمولية الحديثة).
نصل إلى نتيجة أن الأنظمة الشمولية تحمل في طياتها العديد من الطرق والأساليب، وتستخدمها لخدمة مصالحها واستمرارها. وإن فقد أحد هذه العوامل أو الأدوات، فإن نظامها وبنيانها يختل، فتسعى لإعادته إلى مساره، ولو كان هذا على حساب القتل والتدمير، حتى وإن كان الضحية الإنسان نفسه (سوريا خير مثال).





