العزل السياسي ..بين الفكرة و التطبيق

تحدثنا في عديد المناسبات كما – تحدث غيرنا – في إطار بناء الدولة ، عن العزل السياسي ، و التخلص من آثار ما خلفه نظام الطاغية الطائفي، و حزبه المشؤوم، ولكي نفهم ما المقصود بالعزل السياسي و آثاره و خطوات تطبيقه و أمثلة على تطبيقه بصوره المختلفة، علينا شرحه:
العزل السياسي هو إقصاء فرد أو مجموعة من المشاركة في الحياة السياسية عبر أدوات قانونية أو شبه قانونية أو إعلامية أو قضائية.
يُستخدم عندما ترى السلطة أن وجود هذا الشخص أو التيار يشكّل تهديدًا لمصالحها أو لاستقرار النظام كما تراه هي، وكما يراه عموم الشعب و يطالب به، فلا يمكن أن تستقيم أمور أي دولة إلا بوضع القوانين الناظمة لأفرادها.
و يُستخدم العزل السياسي في ثلاث حالات هي الأكثر شيوعاً :
حماية السلطة من خصوم قادرين على قلب المشهد، إعادة تشكيل النظام السياسي بعد الثورات أو الانهيارات، تصفية حسابات سياسية مقوننة.
و عندما يتم المطالبة به شعبياً فهذا دليل على رغبة قوية بتحصين الدولة، و إعادة تشكيلها على أرض صلبة، متينة، و كذلك تعبير عن معاناة هذا الشعب في ظل الديكتاتورية، و التحكم الأمني و الحزبي بمقدرات الشعب.
على أن يكون هذا العزل سياسياً و اجتماعياً لا انتقامياً و لا شخصياً.
و هذا العزل يمكن أن يتم بعدة طرق و أليات، و قد أخذ مسميات كثيرة في الدول التي مارسته، منها : التطهير السياسي – الحظر السياسي – العزل القضائي- العزل المباشر -الاستثناء السياسي.
بالطبع لا يمكن أن يكون عشوائياً دون قانون أوهيكل معين يقوده للمسار الصحيح، فالحالة هذه لا بد من تشكيل هيئة مستقلة خاصة بتطبيقه، تكون على قدر كافِ من الاستقلالية و الشفافية، و تتوافر فيها الشروط التالية:
الاستقلال الكامل عن السلطة التنفيذية.
تنوع توجهات عناصرها. – وجود رقابة قضائية لا تؤثر على عملها. – وجود تمثيل مجتمعي من كافة طبقات المجتمع. – شفافية كاملة في الاختيار و حرية كاملة.
و هذه الهيئة يجب أن تكون مكوّنة من: قضاة مستقلين – خبراء في الأرشيف والتاريخ – خبراء في القانون الدستوري – ممثلين عن المجتمع المدني.
على أن تكون هناك معايير واضحة لاختيار هؤلاء جميعهم . فيمكن اختيار القضاة من خلال مجلس القضاء الأعلى إن وجد. وليس عبر الرئيس أو الحكومة.
أما الخبراء يتم من خلال لجنة أكاديمية مستقلة تضم رؤساء الجامعات أو عمداء كليات القانون والتاريخ.
أما اختيار ممثلي المجتمع المدني فيتم عبر :منظمات حقوقية مسجلة، نقابات مهنية مستقلة، جمعيات أو هيئات مجتمعية، تجمعات أهلية أو بلدية.
لا شك أن هناك ضوابط لأعضاء هذه الهيئة ، تعتبر أساسية و ضرورية، في اختيار عناصرها، حتى نضمن أن الهيئة لا تُخترق:
ألا يكون العضو قد شغل منصبًا سياسيًا سابقًا -ألا يكون له ارتباط بأي جهاز أمني – ألا يكون له مصالح مالية مع الدولة – ألا يكون قد أدين في قضايا فساد – ألا يكون طرفاً في صراعات شخصية مع مسؤولين – أن يقدّم هو نفسه إقراراً بالشفافية قبل تولي المنصب.
لكن السؤال : هل هذه الهيئة دائمة أو مرحلية؟
لا بد من التوضيح أنها مرحلية لفترة معينة، يتم الاتفاق على وجودها، كذلك على تغيير عناصرها وفق ضوابط داخلية ناظمة للهيئة، على أن لا تتجاوز مدة انتخاب أعضاء البرلمان.
هل هي محصنة أم هشة ؟
هنا من الضروري أن تتوافر : رقابة قضائية على قراراتها – رقابة مالية عبر الهيئة المركزية للرقابة و التفتيش – رقابة شفافية عبر نشر تقارير سنوية – رقابة مجتمعية عبر جلسات استماع علنية.
هذا ما استطعنا حصره في هذا المجال .
في الجزء الثاني نعطي أمثلة لدولٍ طبقت العزل السياسي .
أنتم ما رأيكم و هل هناك ما يضاف؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

زيارة الشرع ….الوضع اللبناني

القناة التاسعة - برنامج بوِ خبر المقدم : مصطفى مؤمن  الضيف:...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img