زراعة الخوف وزراعة الحياة

 بناء الفكر السياسي 

مدونة بصائر

مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه عن كل ما سبق من مقالات، لكنه يسير بالنهج نفسه الذي اتبعه من حث للفكر وإعمال للعقل .

وردني قبل فترة قصيرة مقطع فيديو في إحدى المدارس الابتدائية و قد تجمع الطلاب في باحتها كأنهم قطيع ذاهب للذبح ويدور بينهم جزار بعصا التأديب ، لا يترك واحداً منهم إلا ويناله من هذه العصا الألم والصراخ ، سادية تشبع غريزة ذاك الجزار وقد تم وصفه بالمدرس والمربي والمعلم لكن هيهات …هيهات أن تنطبق عليه هذه الصفات .

فمهما كانت خطيئة هؤلاء الطلاب و مهما عَظُمت جريرتهم فلا يمكن أن تقابل بتلك السادية من هذا الرجل و كأنه ينتقم منهم ،فربما أكلوا مال والده ، وربما كانوا خطراً عليه وربما ….وربما

.إن زراعة الخوف من الخطأ وشدة العقاب عليه مهما كان هذا الخطأ لهو أشد خطراً على بناء الأمة ، فلا يوجد معصوم من الأخطاء سوى الأنبياء ، وتصحيح الخطأ لا يكون بخطأ أكبر ، فأين التعليم من الخطأ ، وأين زرع الثقة في الطلاب ، وأين القدوة الصالحة ؟

المدارس للتربية والتعليم وليس للعقاب والتجريح ، فلا يمكن لسادية شخص ما أن تنشأ جيل واعِ ومدرك لمخاطر الأمة ، ولا يمكن للعقاب أن يصلح فساد الأخلاق .

وكعادتي أتابع أولادي في تعليمهم وكذلك في أحوالهم العامة ونتكلم في أصغر الأمور و أهمها ، بالطبع الغاية التوجيه والإرشاد .

هذه الحادثة أعادتني لموقف روته لي إبنتي البالغة ثلاثة عشرة ربيعاً حصلت معهم في مدرستهم ، فهم بالإضافة لباقي العلوم يدرسون مادة تسمى المواطنة ( Citizenship ) أو ( Obywatelstwo ) في هذه المادة يعطونهم فكرة كاملة عن معنى المواطنة وكيفية ممارسة الفرد لحقوقه وعدم تعديه على الأخرين والوصول بالبلد لمصاف الدول المتقدمة و المتطورة بالطرق الديمقراطية الصحيحة وحرية الاختيار .

فيما روته لي : أنه في أحد الدروس طلبت المشرفة منهم أن يتوافق كل اثنان أو أكثر على العمل معاً ، فتم الاختيار وشرحت لهم أن تعتبر كل مجموعة نفسها حزباً يريد الوصول للبرلمان والحكومة وعليهم أن يتصرفوا على هذا الأساس .

وبدأ كل فريق بالعمل وفق المنهج الذي درسوه سابقاً ، فقاموا باختيار اسماً للحزب يعبر عن رؤيتهم هم ووضعوا له اختصاراً وكذلك شعاراً اختاروه بأنفسهم ، ثم حددوا الرؤية العامة للحزب من خلال أفكارهم و أهدافهم التي يريدون الوصول لها ، وضعوا كل هذا على ورق وجعلوه كورقة عمل ( بوستر انتخابي ) وقاموا بتوزيعه على الأخرين ، تعددت الأفكار التي طرحوها بتعدد رؤيتهم .

و أتت لجنة مصغرة من المدرسة لتتابع هذا العمل و كان على كل حزب أن يقوم بطرح ما لديه وشرحه أمام الجميع و أن يجيب على التساؤلات حول كيفية التنفيذ و أليته .

بعد العرض السابق يتم إجراء انتخابات فيما بينهم لاختيار الحزب الذي يعبر عن تطلعات ورغبات الطلاب ، وبعد نجاح الحزب بمعدل الأصوات الأعلى عليه أن ينتقل للغرفة الأولى ( المجلس الأولي ) ليشكل الحكومة ويقود البلد وفي حال عدم امتلاكه الحد الأدنى للتشكيل يجب عليه أن يتحد مع أحزاب أخرى ليستطيعوا قيادة الحكومة وبالتالي ينتقلون للغرفة الثانية ( تحالف الأحزاب ).

أين نحن من كل هذا ؟ هل فُرض علينا أم فرضناه على أنفسنا ؟ وهل نحن قادرون على كسر الطوق ؟

إن بقي لدينا مثل ذاك المدرس يزرع الخوف لدى الطلاب فسنبقى تحت نير الإستعباد ، وإن تصرف هذا السادي مع كل الطلاب بنفس الطريقة فلا أمل من الوصول لحياة حرة شريفة ، إن هؤلاء الطلاب أمانة لدى المدرسين ولا يحق لهم بحال من الأحوال تعنيفهم بهذا الشكل ، فالوصول للمجتمع الصحيح يكون بالتعليم ، والوصول لمعرفة الحقوق والواجبات يكون بالتجربة .

إن بناء المجتمعات يكون ببناء الأفراد ،ذاك البناء القوي ذو الأساس المتين المبني على الفهم والإدراك وليس الخوف والعقاب .

فالمجتمعات العربية متمرسة بزراعة كل فاسد ، ومجتهدة بتحطيم كل هادف ،أفلا ينبغي للطوق أن ينكسر ، ولليل أن ينجلي ، وللشمس أن تسطع .

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير. الصعوبة الحقيقية...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات

    المادة السابقة
    المقالة القادمة