
تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من دولة أمنية مستبدة إلى دولة خيارها حكم الشعب مشبعة بتفاؤل كبير.
هل ما حصل في سورية هو انتقال سياسي، أم أنه تغيير جذري يصل في النهاية إلى سؤال يحدد شكل الدولة، من يمتلك القوة ؟، من يملك السلاح؟ من يملك القدرة على استخدام هذا السلاح، أو قرار استخدامه؟
هل كان الأسد مالكاً للقرار أم أنه مجرد أداة لتحريك القوة؟ وهل السلطة الحالية تعمل بوعي وإدراك لمخاطر احتكار القوة، أو تبددها؟
قد تبدو هذه أسئلة خارج السياق، لكنها في الحقيقة معبرة عن قدرة هذه الدولة على بسط سيطرتها وهيبتها.
فعندما يوجد داخل الدولة أكثر من مركز قوة، فلا يوجد لديها استقرار أمني مترافق مع استقرار سياسي واقتصادي معاً، ولا تستطيع أن تنتج يقيناً سياسياً مستقراً( المقال ). ويصبح كل اتفاق مؤقتا ًكاتفاق دمج قسد، وكل تحالف قابلاً لإعادة التشكيل، المناطق تتحول إلى أوراق ضغط في صراع أكبر منها، كما يحصل في السويداء كمحافظة والدروز كطائفة، مع محاولات إسرائيل استخدام هذه الورقة.
وبالتالي فإن توحيد القوة في سورية لن يكون مجرد عملية عسكرية أو إدارية، لكن عملية تأسيس لفكرة الدولة المستقرة الواحدة.
وستظهر واحدة من أهم معارك السنوات القادمة، هل تستطيع الدولة أن تحول القوى التي أنتجها الصراع مع النظام الأسدي إلى مؤسسات تعمل داخلها؟
أم أن هذه القوى ستعيد تشكيل الدولة وفق مصالحها؟ وهل لديها القدرة على الاستمرار داخل الدولة؟
الاختلاف هو بين دولة تنهي الصراع، أو أن الصراع يشكل الدولة.
ليس السؤال الحقيقي: ماذا سيحدث لقسد؟(جزء 1) فهو يبقى محدودًا.
لكن ما أعتقده أن السؤال الأعمق هو:
كيف ستتعامل الدولة السورية مع القوة المحلية التي نشأت خارج بنيتها، ومع المجتمع الذي أصبحت له مصالح وهوية وتجربة سياسية مختلفة؟ (رغم مرحلة الاندماج).
لكن التعامل مع قسد، أو مع أي مركز قوة نشأ خارج بنية الدولة، لا يمكن أن يبقى في إطار الشعارات. فالواقع الميداني يفرض خريطة أوضح، هناك قوات كردية منظمة، وقوات عربية محلية، ووجود عسكري أجنبي، ومصالح اقتصادية مرتبطة بالموارد، وعلاقات معقدة مع العشائر.
الشرط الحاسم هنا ليس الإلغاء الفوري ولا السماح، بل القدرة على فرض معادلة تدريجية، دمج الهياكل العسكرية مقابل ضمانات إدارية ومحلية واضحة، واحتكار السلاح الثقيل بيد الدولة مع الإبقاء على مشاركة أمنية محلية منضبطة، هذا ما عملت عليه الدولة السورية فعلياً رغم وجود رفض لبعض القيادات داخل قسد.
النقطة المهمة التي تستحق التدقيق و البحث بها خلال مرحلة الدمج هي: هل بدأت تظهر آليات تنسيق أمني مشتركة حقيقية؟ وهل يتراجع وجود السلاح الثقيل خارج سيطرة المؤسسات المركزية؟ فالإجابة على هذين السؤالين ستحدد ما إذا كانت الدولة قادرة على فرض سيطرتها، أم أنها مجبرة على قبول أمر واقع، كما قلنا سابقاً.
لو اكتفينا بالإلغاء العسكري لقسد، مع وجود تحركات من فئات تتبع تنظيمياً لقسد، سوف تهدأ الجبهة قليلاً لكنها ستبقى سياسياً.
وإذا كان الحل هو ترك تعدد مراكز القوة، فإن الدولة ستبقى ناقصة السيادة، وضعيفة، ولا تستطيع بناء قدرتها القيادية وتنفيذ سياساتها.
أما الحل الأصعب فهو بناء صيغة تجعل الانتماء الوطني تحت سقف واحد قادراً على استيعاب الخصوصيات المحلية دون أن تتحول الخصوصية المحلية إلى دولة داخل الدولة.
وهنا لا يعود الملف الكردي ملفًا كرديًا فقط، إنه اختبار لقدرة الدولة السورية على إنتاج مفهوم جديد للمواطنة.
الدولة ككيان يجب عليها استيعاب كل المكونات شريطة أن يلتزموا بالقانون والدستور، ويعيشوا تحت سقفها، وإن فشلت في ذلك، ستدفع مكوناتها إلى الاحتماء بهوياتها الضيقة، لعدم قدرة المركز على حمايتها، هذا ادعاء تكرر في الساحل والسويداء.
والدولة التي تفقد مركزها ستسمح للهويات بأن تتحول إلى مراكز قوة، وهنا تتفكك السلطة وتتنازع فيما بينها، (فكرة التنازع وإعادة الأصل لأصله).
أما الدولة القادرة على الجمع بين الوحدة والتنوع والحماية، فهي التي تجعل الاختلاف مصدر قوة وثراء لا مصدر تفكك.
ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز كل المكونات أو الهويات.
ما هي الهوية السياسية أو الانتماء( المقال ) الذي يستطيع أن يحمل الدولة السورية الجديدة؟
وهذا هو السؤال الذي يفتح الجزء الثالث.
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←

