
إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة أكثر فاعلية وتحقق للغرب ما يرغب به، العالم لا يسأل عن النوايا، بل يطرح سؤالاً واحداً. هل هذه السلطة قادرة على حماية الجغرافيا، تفعيل دور المؤسسات، والوفاء بالتعهدات والالتزامات التي قطعتها.
نستند لمقالنا (الشبكات السرية داخل الدولة: كيف تحمي المؤسسات نفسها؟) بحيث أنه لا يمكن إقناع صانع القرار الخارجي بأمان البيئة الجديدة بينما يوجد بها أذرع سرية أو مراكز نفوذ تعمل بالخفاء. إن إقامة دولة المؤسسات تبدأ من تفكيك بنية المجموعات غير الرسمية التي تلتهم جسد الدولة وتلغي قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها الحكومية.
على الدولة إثبات احتكارها للحق في استخدام القوة، وحصر السلاح بيد المؤسسة الرسمية، وتفكيك الشبكات الخفية التي تعمل بمعزل عنها.و هذه المؤسسات تخضع للرقابة و المحاسبة و ليس لديها التفويض المطلق
تحويل السيادة إلى واقع ملموس وفق معايير عالمية متعارف عليها، وقطع الطريق على اقتصاد الجريمة العابرة للحدود وغسيل الأموال، بما يضمن سلامة المعابر وممرات الملاحة وسلاسل الإمداد في المنطقة خصوصاً وشرق المتوسط عموماً.
ومن منطلق مقالنا (الولاءات لا تصنع دول: قراءة في اللون الواحد) فإن الدول لا تُبنى بالولاءات الأيديولوجية أو التكليف الحزبي الضيق، فالإدارة القائمة على اللون الواحد تسقط إدارياً وتفشل في تنفيذ سياساتها، لكن بشكل عام لا بد من التركيز على النواة المؤسساتية المتماسكة والصلبة في البداية لتقوية الدولة وأجهزتها.
يجب على الدولة تقديم شكل حكومي يعتمد على الكفاءة المهنية والخبرة والتخصص ومعايير المواطنة الجامعة بدلاً من المحسوبية الفئوية، والولاء الإيديولوجي.
كما على الحكومة إقناع الشركاء الدوليين بأن دولة المواطنة والمؤسسات هي الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى مستقبلاً، وأن عمليات الترقيع والمساعدات المؤقتة لا تسمن ولا تغني من جوع وأن الفوضى والاستقرار الوهمي يهدد الإقليم بموجات نزوح جديدة.
الوضوح في العمل المؤسساتي مع الغرب يسمح بالخروج من فخ المواربة والدبلوماسية الخجولة يتطلب مخاطبة الغرب بلغة صريحة ومباشرة تقوم على تقييم المخاطر.
ويعتبر الاستقرار المؤسساتي هو صمام الأمان الوحيد لمنع تدفقات الهجرة غير الشرعية، وتأكيد أن ضبط الحدود يتأثر مباشرة بوجود دولة قائمة.
و تعمل على تقديم الرؤية الوطنية الجديدة كفرصة إستراتيجية لملء الفراغ الأمني، وتفادي تحول الجغرافيا إلى منصة لتهديد ممرات الطاقة وأمن الإقليم.
من أهم عوامل التأثير في رؤية الغرب هو تأسيس بنية معرفية ناطقة بلغات القرار (إنكليزية وفرنسية) سواء كانت عبر مراكز أبحاث لديها القدرة على رسم الوقائع بالأرقام والخرائط، أو خطط تستند على استشراف لمستقبل التعاون.
ثم إن الاستسلام للهشاشة الاقتصادية والاعتماد الكلي على الإغاثة الخارجية أو صندوق النقدي الدولي هو صورة واضحة للتأثير على الإرادة السياسية للدولة. ولا يمكن استعادة السيادة الوطنية دون اقتصاد إنتاجي مرن. من هنا تحدثنا عن الحاضنات الإنتاجية والاقتصاد المستدام مقالنا (الحاضنات الإنتاجية و الاقتصاد المستدام في سورية)
إن طرح التمكين الاقتصادي التنموي كبديل مؤسساتي للأسلوب المستخدم الحالي، يسهم في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والمساعدات والاستجابة للأزمات إلى اقتصاد إنتاجي قادر على الاندماج في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
كما أن تهيئة القضاء التجاري والتشريعات الضامنة للشفافية لإعادة بناء البنية التحتية.
تحويل الاستثمار في سوريا من عمل تنموي عادي إلى فرصة إستراتيجية لتعزيز أمن المنطقة الاقتصادي.
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←

