
القدرية… كيف بدأت قضية القدر؟
بعد أن تحدثنا في الحلقة الأولى عن الخوارج، ننتقل اليوم إلى قضية من أقدم القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، وهي – القدرية
وقبل أن نتحدث عن “القدرية” كاتجاه تاريخي، علينا أن ننتبه إلى أن مسألة القدر نفسها أقدم من اسم الفرقة.
والسؤال الذي شغل المسلمين منذ وقت مبكر كان : إذا كان الله يعلم الأشياء ويقدّرها، فما مقدار إرادة الإنسان واختياره؟ وهل الإنسان مسؤول عن أفعاله لأنه يختارها، أم أن أفعاله مقدّرة عليه؟
ومن هنا بدأ نقاش طويل حول القدر، والإرادة، والاختيار، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأصبح هذا النقاش لاحقًا من أهم موضوعات علم الكلام الإسلامي. وتربط الدراسات التاريخية بدايات هذا الجدل بالبيئة الفكرية والسياسية في البصرة خلال العصر الأموي.
أولاً : من هم القدرية؟
“القدرية” اسم أطلق في التراث الإسلامي على اتجاهات مبكرة ارتبطت بتأكيد قدرة الإنسان واختياره ومسؤوليته عن أفعاله، في مقابل الاتجاهات التي غلبت جانب الجبر.
لكن يجب أن نكون دقيقين هنا : القدرية الأوائل لم يتركوا لنا مؤلفات عقدية كاملة تشرح مذهبهم بأقلامهم، ولذلك وصلت إلينا صورتهم بدرجة كبيرة من خلال روايات خصومهم والمصادر التي جاءت بعدهم.
ولهذا لا يصح أن نأخذ كل تفصيل ورد في كتب الفرق المتأخرة ونعتبره حقيقة قطعية عن كل من سُمّي قدريًا.
ثانياً : معبد الجهني / من أشهر الشخصيات المرتبطة بالبدايات الأولى لهذا الاتجاه : معبد بن عبد الله الجهني.
وتذكر رواية صحيحة في صحيح مسلم أن يحيى بن يعمر قال : “كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني”.
وكانت القضية التي نُسبت إلى تلك الجماعة آنذاك قولهم بأن “لا قدر” وأن الأمر مستأنف، أي إنكار الصورة التي كان جمهور المسلمين يثبتونها للقدر السابق.
وقد واجه هذا القول عدد من الصحابة، ومن أشهر ما ورد في ذلك موقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وهذه الرواية هي من أقوى الشواهد المبكرة التي بين أيدينا على ظهور النقاش حول القدر في البصرة.
ثالثاً : غيلان الدمشقي / ثم ظهر في بلاد الشام اسم غيلان الدمشقي، وهو من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بالقدرية الأوائل. وتذكر المصادر أنه أخذ هذا الاتجاه عن معبد الجهني، ثم نشر أفكاره في دمشق، لكن حياة غيلان وتفاصيل علاقته بالسلطة الأموية ونهايته وردت فيها روايات متعددة؛ ولذلك سنكتفي هنا بما يمكن توثيقه، ونترك الروايات المختلف فيها لحلقة خاصة إذا احتجنا إليها.
وقد أصبحت قضية القدر والاختيار من القضايا التي ارتبطت باسمه في المصادر التاريخية.
رابعاً : ماذا قالت القدرية؟ هنا يجب أن نفرق بين أصل الفكرة وبين الصياغات التي ظهرت لاحقًا.
أبرز ما ارتبط بالقدرية الأوائل هو تأكيدهم أن الإنسان مختار ومسؤول عن أفعاله، وأن أفعال الإنسان لا ينبغي أن تُفسر بطريقة تلغي مسؤوليته الأخلاقية.
وكان وراء هذا النقاش سؤال كبير : كيف يُحاسَب الإنسان على عمل يقال إنه مجبور عليه؟
فأراد الاتجاه القدري أن يؤكد مسؤولية الإنسان واختياره.
ومن هنا ارتبطت قضية القدر عندهم أيضًا بمسألة العدل الإلهي.
خامساً : هل قالوا إن الإنسان يخلق أفعاله؟ هذه من أهم النقاط التي ينبغي ألا نتعامل معها باختصار شديد.
في كتب العقائد اللاحقة نجد نسبة القول إلى القدرية بأن العبد يخلق فعل نفسه.
لكن تاريخيًا يجب التفريق بين القدرية الأوائل وبين المدارس الكلامية التي جاءت بعدهم وطورت المسألة بصورة أكثر تفصيلًا.
فالصياغات الكلامية الدقيقة لمسألة : “من خالق أفعال العباد؟” تطورت عبر الزمن، وأصبحت فيما بعد قضية أساسية عند المعتزلة وغيرهم.
لذلك فإن العبارة الأدق في هذه السلسلة هي : القدرية الأوائل أكدوا اختيار الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، ونُسب إلى غلاتهم إنكار القدر على نحو أوسع، أما التفاصيل الكلامية لمسألة خلق أفعال العباد فتطورت في مراحل لاحقة.
وهذه الدقة مهمة حتى لا نخلط بين القدرية الأوائل والمعتزلة.
سادساً : وهل أنكروا علم الله السابق؟ هذه المسألة تحتاج إلى مزيد من الحذر.
تذكر كتب الفرق والعقائد روايات تنسب إلى القدرية الأوائل إنكار علم الله السابق بالأشياء، أو القول بأن الأمر مستأنف.
والرواية المشهورة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صحيح مسلم تتحدث عن قوم كانوا يقولون : “لا قدر، والأمر أنف”.
لكن عند كتابة تاريخ الأفكار علينا أن نفرق بين : ما نقلته المصادر الإسلامية عنهم، وبين : ما وصلنا في نصوص أصلية كتبها القدريون أنفسهم.
والحقيقة أن النصوص المباشرة التي تركها القدريون الأوائل قليلة جدًا، ولذلك يظل الباحث محتاجًا إلى مقارنة الروايات وعدم إطلاق الأحكام على الجميع.
سابعاً : هل القدرية هم المعتزلة؟ …لا.
هناك صلة تاريخية وفكرية بين الاتجاهين في مسألة حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، لكن المعتزلة ظهروا لاحقًا بوصفهم مدرسة كلامية أكثر اكتمالًا، وطوروا منظومة واسعة من الأصول والمسائل.
ولهذا سنخصص للمعتزلة حلقة مستقلة، ونشرح فيها كيف انتقلت قضية القدر من صورتها المبكرة إلى منظومة كلامية أوسع.
ثامناً : لماذا كانت قضية القدر مهمة؟
لأنها لم تكن مسألة نظرية فقط. بل ترتب عليها سؤال أخلاقي وفلسفي كبير : إذا كان الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، فما حدود اختياره؟ وإذا كان الله قدّر الأشياء، فكيف نفهم مسؤولية الإنسان؟
ومن هنا أصبح البحث في القدر مرتبطًا بمباحث : الإرادة، والاختيار، والعدل، والمسؤولية، والثواب والعقاب، ومع مرور الزمن أصبحت هذه القضايا من أهم أبواب علم الكلام الإسلامي.
وتشير دراسة أكاديمية منشورة عن معبد الجهني والبدايات الأولى لعلم الكلام إلى أن قضية القدر ارتبطت كذلك بالظروف التاريخية والسياسية والفكرية التي عاشتها الأمة في القرن الأول والثاني الهجريين، ولا يمكن فهم نشأتها بمعزل عن ذلك السياق.
ماذا بقي من القدرية؟ لم تستمر القدرية الأوائل كمدرسة مستقلة بالصيورة نفسها التي ظهرت بها في العصر الأموي.
لكن السؤال الذي أثاروه لم يختفِ. بل انتقل إلى مدارس كلامية لاحقة، وأصبح جزءًا من نقاشات المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.
وهكذا يمكن القول إن أهمية القدرية التاريخية ليست فقط في اسم الفرقة، وإنما في أنها كانت من أوائل الجماعات التي جعلت مسألة القدر والاختيار ومسؤولية الإنسان موضوعًا مركزيًا في النقاش العقدي الإسلامي.
الخلاصة
القدرية اتجاه مبكر ظهر في العصر الأموي، وارتبط خصوصًا بـ : معبد الجهني في البصرة، وغيلان الدمشقي في الشام.
وكان محور النقاش : القدر، وإرادة الإنسان، واختياره، ومسؤوليته عن أفعاله ، ونُسب إلى القدرية الأوائل قولهم بنفي القدر على الصورة التي أثبتها جمهور المسلمين، كما نُسب إلى بعضهم مواقف أكثر تشددًا في مسألة العلم السابق وخلق أفعال العباد.
لكن الأمانة العلمية تقتضي ألا ننسب كل قول إلى كل قدري، ولا أن نخلط بين القدرية الأوائل والمعتزلة الذين جاءوا بعدهم وطوّروا قضايا كلامية أوسع.
وهذه هي قاعدتنا في هذه السلسلة : لا مع القدرية، ولا ضد القدرية. نحن نعرض : من كانوا؟ كيف نشأت فكرتهم؟ ماذا قالوا؟ كيف تطورت أفكارهم؟ وما الذي اختلف فيه المؤرخون حولهم؟ ثم نترك للقارئ أن يقرأ ويفكر ويحكم.
والله أعلم.
المراجع التي اعتمدنا عليها
- صحيح مسلم — رواية يحيى بن يعمر عن بداية القول بالقدر في البصرة وموقف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
- معبد الجهني والبدايات التاريخية لعلم الكلام الإسلامي — دراسة أكاديمية لعبد الحميد العابد، منشورة عن جامعة الوادي الجزائرية.
- الموسوعة العقدية — مادة نشأة القول في القدر، مع عرض الروايات التراثية المتعلقة بمعبد الجهني وغيلان الدمشقي.
- دراسات تاريخية في غيلان الدمشقي والقدرية الأوائل، مع التنبيه إلى اختلاف الروايات في بعض التفاصيل.


