المسارات السورية المحتملة من صناعة السلطة إلى صناعة الدولة ( الجزء السادس )

نختتم معكم السلسلة بهذه الخلاصة، نأمل أن تكون قد أناطت اللثام عن أمور كثيرة نأمل من الدولة السورية و مستقبل بناء الدولة

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن الصراع السوري لن يختفي دفعة واحدة.

لكنه قد ينتقل من صراع على إسقاط السلطة إلى صراع على شكل الدولة، وهذا انتقال بالغ الأهمية.

ولدينا عدة مسارات من الممكن أن تكون عليهم الدولة.

المسار الأول: التمكين

تنجح الدولة في توحيد المؤسسات والقوة، وتنجح في إنتاج صيغة سياسية تستوعب التنوع، ويتحول الانفتاح الخارجي إلى استثمار وإنتاج، وتبدأ عودة تدريجية لرأس المال والكفاءات والسكان.

في هذا المسار لا تكون سورية قد حلت كل مشاكلها.

لكنها تكون قد امتلكت أدوات حل مشاكلها. وهذه نقطة جوهرية. فالدولة لا تصبح قوية عندما تختفي مشاكلها. تصبح قوية عندما تصبح قادرة على إدارة مشاكلها دون أن تتحول كل مشكلة إلى أزمة وجود.

المسار الثاني: التوازن الهش

تستمر الدولة، لكن من خلال إدارة التناقضات أكثر من حلها، يبقى السلاح في طور إعادة التنظيم، وتبقى بعض الملفات الإقليمية مفتوحة، ويتحسن الاقتصاد ببطء، وتستمر التوترات المحلية.

في هذه الحالة قد لا تعود سورية إلى الحرب، لكنها لن تكون قد خرجت تمامًا من منطق الحرب، ستكون قد انتقلت من صراع مفتوح إلى استقرار مشروط.

المسار الثالث: إعادة إنتاج الصراع

يحدث ذلك إذا فشل بناء العقد السياسي، أو بقيت مراكز القوة خارج المؤسسات، أو تحولت الهويات إلى مشاريع سياسية متنافسة، أو عجز الاقتصاد عن إنتاج الاستقرار الاجتماعي. وهنا لن يكون بالضرورة هناك تكرار حرفي لما حدث منذ 2011.

فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، قد يعيد إنتاج أنماطه بأدوات مختلفة.

وقد يصبح الصراع أقل وضوحاً وأكثر انتشاراً، توترات محلية، أزمات اقتصادية، تنافس على الموارد، تدخلات خارجية، وانقسامات سياسية يصعب احتواؤها.

وهذا النوع من الصراع قد يكون أكثر استنزافاً لأنه لا يمنح المجتمع لحظة واضحة يقول فيها، انتهت الحرب.

وبالنظر إلى الاتجاهات الحالية، يبدو مسار التوازن الهش هو الأقرب في المدى القصير والمتوسط. أما الانتقال منه إلى مسار التمكين فيعتمد على عوامل حاسمة، نجاح احتكار السلاح خلال السنوات القليلة القادمة، وقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل حقيقية، وشكل العلاقة مع الفاعلين الإقليميين والدوليين الرئيسيين.
ولكل مسار مؤشرات إنذار مبكرة يمكن رصدها-

في اتجاه التمكين: تراجع ملحوظ في مراكز السلاح المستقلة، وبدء عودة كفاءات بأعداد مؤثرة، وتحسن تدريجي في قدرة المؤسسات على فرض قواعد موحدة.

في استمرار التوازن الهش: بقاء الملفات الأمنية مفتوحة، ونمو اقتصادي بطيء دون إصلاح مؤسسي عميق، واستمرار التوترات المحلية عند حدود قابلة للاحتواء.

في اتجاه إعادة إنتاج الصراع: تصاعد التوترات المرتبطة بالموارد أو الهوية، وعجز متزايد عن تمويل الخدمات الأساسية، وتحول الخلافات السياسية إلى انقسامات يصعب احتواؤها مؤسسياً،
هذه المؤشرات، وليست البيانات والتصريحات، هي ما سيكشف مبكراً أي طريق تسلكه سورية فعلياً للوصول للهدف المنشود.

وتحيطنا تساؤلات عديدة:

هل أصبحت الدولة أقوى من مراكز القوة؟

هل أصبح الانتماء الوطني أوسع من الانتماءات الفرعية؟

هل أصبحت المؤسسات أقوى من الأشخاص؟

هل أصبح الاقتصاد قادراً على إنتاج موارده؟

هل أصبح القرار السوري قادراً على التعامل مع الخارج دون أن يصبح رهينة له؟

لأن المستقبل لا تصنعه الأحداث وحدها، المستقبل تصنعه القوى التي تتراكم خلف الأحداث، وقد تبدو بعض الأحداث صغيرة في لحظتها، لكنها تصبح كبيرة عندما تتكرر في الاتجاه نفسه.

فإذا كانت القوة الدافعة نحو بناء الدولة أقوى من القوى المانعة، فإن سورية ستخرج تدريجياً من مرحلة الصراع إلى مرحلة الدولة، أما إذا بقيت القوى المانعة أقوى من مشروع الدولة، فسوف تبقى سورية تدور داخل الحلقة نفسها، وإن تغيرت الأسماء والأدوات.

ويؤرق فكرنا السؤال: هل تستطيع سورية أن تنتقل من دولة تحاول الخروج من الحرب إلى دولة تصنع مستقبلها؟

فالمعركة القادمة في سورية لن تكون فقط على من يملك السلطة؛ ستكون على من يملك القدرة على صناعة الدولة.

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

الجيل السوري الجديد و البناء : متلازمة السياسة و الاقتصاد (الجزء الخامس )

إذا اجتمعت القوة والدولة والهوية والاقتصاد والخارج، فأي طريق ستسلك سورية؟ شاركونا أراءكم

الفرق في الإسلام – القدرية

القدرية… كيف بدأت قضية القدر؟ بعد أن تحدثنا في الحلقة...

لا سيادة بلا دولة، ولا دولة بلا شعب (الجزء الرابع)

نتابع في هذه السلسلة ما بدأناه في الأجزاء الثلاث...

نقل العاصمة إلى حلب؟ أوهام إسرائيلية تصطدم بجغرافيا الردع السوري

أوهام "نقل العاصمة" وخرائط الهيمنة: قراءة في أبعاد التصعيد...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات