
نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني
لقد عانت سورية طويلًا من مشكلة الهوية السياسية.
ليس لأن السوريين بلا هوية، وإنما لأن الهوية الوطنية تعرضت خلال عقود إلى اختزالها في السلطة، ثم جاءت الحرب لتعيد تفكيك المجتمع إلى هويات ومناطق وذاكرات متعارضة.
ولهذا فإن سورية المقبلة لن تحتاج فقط إلى دستور، ستحتاج إلى عقد سياسي واجتماعي. والدستور يمكن أن ينظم السلطات، أما العقد السياسي (هو مجموعة القواعد والضمانات والتفاهمات التي تحدد العلاقة بين المواطنين والدولة، وبين مكونات المجتمع بعضها مع بعض، وتوضح أسس شرعية السلطة، وحدودها، وكيفية توزيعها ومراقبتها، وآليات المشاركة في القرار وتسوية الخلافات).
هنا نتساءل لماذا يقبل السوري بالدولة؟ وما هي الدولة التي يتمناها؟
ومتى يشعر المواطن أن الدولة دولته، لا سلطة فوقه، ولا قبضة تطبق على رقبته؟ سيكون قوياً، مدافعاً عنها، حريصاً على نموها وتقدمها، ولن يكون قابلًا للاهتزاز، والسقوط عند أول امتحان.
بشكل عام الدولة التي ليس لديها قبولاً سياسياً لا يمكنها أن تتحول إلى بلد مستقر.
والعقد السياسي لا يبقى فكرة فقط. حتى يكون قابلًا للحياة، فلا بد أن يحقق، أمن متساوٍ لا يخضع لمناطق نفوذ، قضاء يستطيع حماية الملكية والعقود، مشاركة محلية حقيقية في إدارة الموارد والخدمات، وشفافية في توزيع الثروة الوطنية.
أما استيعاب التنوع فيمكن أن يمر عبر صيغ عملية مثل إدارة محلية موسعة ( السويد 290 بلدية – اندونيسيا47 مقاطعة -هولندا – اليابان -فرنسا)، وحماية حقوق جماعية واضحة، وتمثيل يضمن أن لا يشعر أي مكون أنه خارج المعادلة.
فإذا فشلت هذه العناصر، فإن الهوية الفرعية لن تبقى مجرد انتماء ثقافي، بل ستتحول تدريجيًا إلى مشروع سياسي منافس يبحث عن حماية ذاتية خارج الدولة.
ولا تظهر أزمة الهوية الوطنية في العلاقة بين المركز والأطراف فحسب، بل تظهر أيضاً داخل المجتمعات المحلية نفسها، حين تحتكر جهة سياسية أو مسلحة حق التحدث باسم جماعة بأكملها، وتفرض خياراتها على من لا يتوافق معها، السويداء مثالاً على ضرورة التمييز بين موقف القوى التي تهيمن على المجال العام ومواقف جميع أبناء المحافظة، إذ لا يجوز اعتبار الخضوع للأمر الواقع دليلاً على القبول به، ولا اعتبار السيطرة الفعلية تفويضاً شعبياً بالتمثيل.
لكن بالمقابل هناك من يبحث عن هوية ذاتية خارج نطاق الدولة، سواء بأوهام القدرة على التفرد، أو بتشجيع من أطراف خارجيين،
المشكلة في المجتمعات الخارجة من الصراعات الطويلة أن الهوية تصبح أحياناً وسيلة للاختباء، أو وسيلة للمساومة، ويحاول إشعار الجميع أن الدولة غير قادرة على حمايته، وتكون الحماية البديلة موجودة سلفاً. فيلجأ للمنطقة. أو الطائفة. أو القومية. أو الجماعة السياسية، أو الدينية.
ولا يمكن فهم إشكالية العلاقة بين العلويين والدولة الجديدة من زاوية خسارة السلطة وحدها، إذ إن استمرار الهجمات التي تنفذها مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق ضد عناصر الأمن يطرح سؤالاً مباشراً عن مدى قبول هذه المجموعات بانتهاء المنظومة التي حكمت البلاد لعقود.
فقد وثّقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء هجمات نفذتها مجموعات موالية للأسد أو من بقايا التمرد المسلح ضد الحواجز والدوريات الأمنية، كما وثّقت اشتباكات وعمليات أمنية ضد مجموعات مسلحة مناهضة للحكومة خلال أواخر 2025 ومطلع 2026. وفي أحداث الساحل في آذار/مارس 2025، بدأت المواجهات بهجمات على قوات الأمن، ثم أعقبتها انتهاكات وقتل انتقامي طال مدنيين علويين أيضاً
إن بناء دولة سورية موحدة لا يمكن أن يستقيم مع وجود جيوش مستقلة أو سلطات موازية تحتفظ بقرارها العسكري والأمني خارج المؤسسات الوطنية، كما هي الحالة الكردية سابقاً.
فالدولة لا تستطيع أن تكون إطاراً سيادياً مشتركاً إذا كانت مناطق منها خاضعة لسلطات منفصلة في قراراتها ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، فإن دمج المؤسسات العسكرية والإدارية في بنية الدولة ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل خطوة تتصل بوحدة السيادة واحتكار المؤسسات الشرعية لاستخدام القوة.
فكلما زادت قوة الدولة، تراجعت حاجة الأفراد إلى الاحتماء بمراكز القوة خارجها، وكلما ضعفت الدولة، ازدادت قدرة الهويات الفرعية على إنتاج نفسها سياسيًا.
المطلوب هو صيغة تجعل الدولة أوسع من مكوناتها، والمواطنة أقوى من الانقسامات.
وبناء سورية لا يتم إلا ببناء دولة قوية لها سلطتها، ولا يمكن حماية التنوع من خلال إضعاف الدولة.
و هذا البناء مرتبط بتطور المنطقة، فسورية تقع في منطقة لا تسمح للدولة بأن تنغلق على نفسها، و العالم له مصالحه كما لها مصالحها، و تعزيز العلاقات يأتي من خلال التوافق و التوازن بين تلك العلاقات، و أن تتعامل مع الجميع بندية لا تابعية،
وهنا يأتي العامل الخارجي ، الذي سنبحث به في الجزء الرابع
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←
