ذاكرة السمك: …..بين الثمر و الظل

مقدمة:

ترددت كثيراً قبل البدء بهذا المقال ، فكيف لي أن أكتبه ، و أنا أحد أبناء هذه الثورة؟، عشت جراحها و مآسيها، فرحت، تألمت ، حزنت، لم أيأس يوماً، لقد سبق و كتبت مقالاً  بعنوان ( سابح في بحر الثورة )، فكيف سيكون مقالي هذا ، هل هو امتداد للسابق أم معارضة له ، أم  هو بث الصراعات النفسية التي تعتلج في الصدور، أكتب بيقين المنتصر ،و صبر الثائر، و ألم المعتقل، و روح الشهيد.

طريق الحرية : ……مخاطر و صعاب:

لطالما كانت الحرية طريقاً محفوفاً بالمخاطر، و لطالما كان الصراع مع الطغاة شرساً، صعباً،  لكن الإرادة و الرغبة و الإيمان، تذلل تلك الصعاب، فلا شيء بلا ثمن ، و لا شيء يأتي دون كفاح ،

و تختلف النفس البشرية فيما بينها ، و يختلف إيثار تلك النفس ،و يعاني الإنسان تقلبات فكرية شديدة، و قد يفكر بمبدأ الفوز و الخسارة، و الحياة و الموت، و هنا يظهر التباين البشري ،

 لتفتح الثورة طريقين ،

·         طريق المشارك ،صلب المراس ، عاقد العزم، ثابت المبدأ ، لا يتلون ، ، وإن اختلفت الأدوار،

·         طريق الصامتين، الوجلين، الذين استنكفوا أو خافوا أو تعاونوا.

 فهل يستويان ؟ و هل تتساوى كفتا الميزان؟ بين المتقدم و المتأخر ، بين المشارك و الصامت.

و هل كل مشارك ستكون لديه المكاسب؟ و كل مستنكف لديه الخسائر؟.

تباين النفس البشرية: صراع الحياة:

هنا الحسابات تختلف، و المبادئ لا تُجزأ ،و القناعات الراسخة، لا يزعزعها هبوب العواصف، و هنا استذكار القريبين ، و نسيان البعيدين، لهو قمة التنكر، فأي ثورة حتى تنتصر ، لديها مقومات و أدوات و عناصر، و لها دوافع و وقود و محرك ، وهذا شيء طبيعي و اعتيادي في كل الثورات، فلا يمكن أن تطير طائرة بجناح واحد ،

قناعات و مبادئ:

عندما كانت الثورة في أوجها ، و حتى عندما انسدل ظلها، و يأس الكثيرون، لم يطالنا اليأس نحن و غيرنا، بقينا بصوتنا و عملنا و قدرتنا، لم نتوقف حتى عندما توقف الأخرون، لم ننكفئ حتى عندما قام البعض  بالتسويات، سعينا و عملنا، لم نترك باباً ، إلا و حاولنا طرقه ، على حساب أهلنا و عوائلنا، و دمائنا و حياتنا، لا نطلب أجراً، و لا مكسباً، و لا غنيمة، منطلقين عن قناعة وعي و إيمان بما نفعله و ندافع عنه، و ربما يموت بعضنا خارج أرضه، و ربما لا يجد أرضاً يدفن بها.

جناحي الطائرة:

أهل الثورة ليسوا المهجرين وحدهم ، و ليسوا المقاتلين وحدهم ، و ليسوا الخائفين وحدهم، و ليس أهل الداخل فقط وحدهم ، بل أهل الثورة كل حر شريف شارك حسب قدرته و إمكانياته، حسب مجاله و اختصاصه، فمنهم من قطع لقمة من قوت عائلته، ليشتري حبة دواء للداخل، و منهم من صدح بصوته، و نقل المعاناة للخارج، من وقف ضد التهديدات غير عابئ بها.

فطوبى لهؤلاء جميعاً.

نسيان أو نكران: لا يهم أيهما:

فالثورة كالشجرة، تحتاج الرعاية و السقاية، و ليس بالضرورة أن يأكل الجميع من ثمارها، و لا أن يجلسوا في ظلها، لكنهم يرون ثمرها  قد أينع ، وظلها قد امتد.

إن من الواجب على المستظلين و الآكلين، أن يذكروا من باب الوفاء لمن  ساهم في هذا الثمر و الظل، و رأى و لم يطالب، و شارك ولم يعاتب، أنهم جزء من الانتصار ، أن جناح الطائرة الأخر له دوره، و له تأثيره ، لا أن يتنكر له الجميع.

إن المحرك هو قلب السيارة ،و عندما يتعطل فلا حاجة لجسد صامت، و هؤلاء كانوا هم القلب، الذي يضخ الدماء للجسد.

خاتمة :

إن النكران يحطم قناعة الإنسان.

يقول تعالى في سورة النحل : ( يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها).(83).

و يقول طرفة بن العبد:

و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة                           على المرء من وقع الحسام المهند

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير. الصعوبة الحقيقية...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات