بين “صفراء” القرآن و”حمراء” التوراة.. قراءة في الحق و الفناء

لقد أثارتني بعمق دراسة وتحليل (الصهيونية المسيحية)، وتحديداً ما يُثار اليوم حول مشروع (البقرات الحمراء). هذا الأمر دفعني للعودة مجدداً للبحث والقراءة المعمقة، حيث قادني التفكير إلى عقد مقارنة بين هذا المشروع المعاصر وبين ما جاء في القرآن الكريم حول (البقرة الصفراء). لقد بحثتُ في جوهر التمييز بينهما، وحاولت
استنباط وجه الاختلاف الكبير، ووجه التقارب الذي قد يخفى على الكثيرين؛ فوجدتُ ما يلي:
أولاً: البقرة الصفراء.. معجزة “إحياء” الحق

في سورة البقرة، نجد مجتمعاً يغلي بجريمة قتل غامضة، وقاتلاً يختبئ خلف إنكاره. جاء الأمر الإلهي بذبح بقرة بمواصفات محددة (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا).

 * وجه التميز: كانت البقرة “أداة كشف” إلهية؛ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ.

 * النتيجة: قام المقتول وأشار لقاتله، فانكشفت الحقيقة وحُقنت الدماء وانتهت الفتنة.

 لقد كانت البقرة القرآنية رسالة حياة وعدالة لإظهار الحق المستور.

ثانياً: البقرات الحمراء.. أداة استدعاء “الفناء”

في المقابل، نجد اليوم حماساً عالمياً لشحن “خمس بقرات حمراء” من تكساس إلى القدس، بناءً على نصوص توراتية (سفر العدد 19).

هنا، لا يبحث القوم عن قاتل، بل يبحثون عن “صاعق تفجير”.

 * وجه الاختلاف: رماد هذه البقرات هو “التصريح الديني” الذي سيسمح للمتطرفين باقتحام الأقصى وهدمه لبناء الهيكل.

 * النتيجة (حسب نبوءاتهم): هذا الفعل ليس طريقاً للبقاء، بل هو استدعاء لمعركة “هرمجدون”. وهنا المفارقة الصادمة؛ فبينما أحيت بقرة ( القرآن ) رجلاً لتكشف قاتلاً، ستؤدي بقرة الصهيونية إلى فناء الثلثين منهم (وفق نبوءات حلفائهم الإنجيليين).

ثالثاً: وجه التقارب.. “البقرة وسيلة كشف للحقيقة

رغم الاختلاف الكبير في الأهداف، إلا أنني وجدتُ تقارباً عجيباً في “الوظيفة الكونية”:

 * في الماضي: كشفت البقرة الصفراء عن القاتل الذي أراد الحياة على حساب دم ضحيته، فأخزاه الله وأظهر حقيقته.

 * في الحاضر: تكشف البقرة الحمراء عن انتحار سياسي ذاتي ، يظن أنه يستدعي “المسيح”، بينما هو يستدعي نهايته المحتومة وغروره الذي سيفنيه.

الخلاصة:

لقد وصلتُ في بحثي إلى أن الفرق بين البقرتين هو الفرق بين “بصيرة الإيمان” و*”عَمى الانتحار”*. بقرة القرآن جاءت لتبين الحق وتمنع الظلم، وبقرة الصهيونية تُستحضر اليوم لتشرعن الباطل وتستعجل الفناء. فسبحان من جعل من “البقرة” في الماضي كاشفة للجريمة، وفي الحاضر كاشفة للمصير!

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير. الصعوبة الحقيقية...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات