الزيارة السورية إلى فرنسا: مؤشرات التحول في العلاقات الإقليمية

تمهيد

تتّجه الأنظار مجدداً نحو الساحة الدبلوماسية السورية بعد الدعوة الرسمية التي وُجّهت إلى الرئيس الشرع لزيارة فرنسا على رأس وفدٍ رسمي. وتأتي هذه الخطوة في إطار توافقاتٍ وتفويضٍ أوروبي–فرنسي، يهدف إلى إعادة فرنسا إلى موقعها التقليدي في الشرق الأوسط، واستعادة دورها التاريخي في المنطقة، ولا سيّما في الدول التي كانت خاضعة لنفوذها سابقاً.

الدوافع الفرنسية والخلفية السياسية

تسعى فرنسا من خلال هذه الدعوة إلى تأكيد حضورها السياسي والدبلوماسي في الملفات الحساسة، رغم الموقف المتقدّم الذي أبدته تجاه الأكراد و”قسد”، ووجود لوبي كردي فاعل داخل باريس يعمل على تأزيم وتعقيد المسألة الكردية مع الحكم الحالي في سورية.

تُعدّ الزيارة، وفق هذا المنظور، مدخلاً أساسياً لبحث نقاط الخلاف بين الحكم السوري الجديد والدول التي ما زالت تحمل هواجس من عودة دمشق إلى المسرح العربي والدولي.

التحوّل الفرنسي: من القيود إلى المبادرة

خلال فترة بشار المخلوع، حاولت الأحزاب اليمينية الفرنسية فتح قنواتٍ مع النظام لإعادته إلى الواجهة؛ غير أنّ الفيتو الأمريكي حال دون ذلك. أمّا اليوم، فتبدو فرنسا أكثر استقلالاً في قرارها، إذ تسعى لتكون الواجهة الرئيسية للحوار مع الحكم الحالي، من خلال ترتيب أولويات الدول الغربية وتحديد مطالبها.

هذا التحرّك يأتي وسط قلقٍ إسرائيلي واضح، ما جعل عدّة دولٍ تفوّض باريس للتعامل مع الملف السوري بشكلٍ متكامل، خصوصاً في قضايا الأجانب في الجيش، والأقليات، والانتخابات، والعلاقة مع موسكو، وهي ملفات ترتبط مباشرةً بالتحوّلات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب الأوكرانية–الروسية.

الانعكاسات المحتملة على العقوبات والعلاقات الدولية

يُرجَّح أن تبدأ مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي على الحكم السوري في حال تنفيذ المطالب الغربية، وعلى رأسها ضمان أمن إسرائيل، الأمر الذي قد يشكّل بدايةً لرفع العقوبات المفروضة على سورية.

ومع ذلك، من غير المتوقع رفع اسم الرئيس الشرع أو الهيئة من القائمة السوداء في الوقت الراهن، إذ سيأتي ذلك لاحقاً بعد تنفيذ الشروط المتفق عليها بدقّة.

الدور الأوروبي وتوزيع النفوذ

الاتحاد الأوروبي، كما هو معروف، يتكوّن من أطرافٍ متعددة من حيث القوة والسيطرة على القرار. ويُعتبر التأثير الأمريكي على فرنسا أكبر من تأثيره على غيرها، ولهذا تولّت باريس زمام المبادرة في هذه الدعوة.

ومن المتوقع أن تحذو دول أوروبية أخرى حذوها، وفي مقدّمتها ألمانيا، التي زار كبار مسؤوليها دمشق مؤخراً، نظراً لرغبة الجميع في فتح أسواقٍ اقتصاديةٍ جديدة والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، إضافةً إلى وجود عددٍ كبير من اللاجئين السوريين الحاصلين على جنسياتٍ غربية، والذين يمكن أن يسهموا في عملية التطور والتقدّم داخل سورية.

خاتمة

الزيارة المنتظرة إلى باريس ليست مجرّد خطوة بروتوكولية، بل تعكس تحوّلاً استراتيجياً في النظرة الأوروبية إلى دمشق. فرنسا، عبر هذا الانفتاح المدروس، تسعى إلى استعادة وزنها الدولي، فيما تحاول سورية إعادة تموضعها ضمن توازنٍ جديدٍ يراعي المصالح المتبادلة ويعيدها إلى مركز الفعل السياسي في المنطقة.

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير. الصعوبة الحقيقية...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات