الصحوة الإسلامية: من هدير القوة الدافعة إلى مشنقة الافتراس السياسي ( الجزء الثاني )

مقدمة: مخاض الهوية واستحقاقات الواقع

​قبل سنوات، كتبت مقالاً بعنوان “الصحوة الإسلامية بين القوة الدافعة والقوة المانعة”، وخلصت به إلى أن الصحوة تمثل إنتاجاً فكرياً وعقدياً يسعى لاسترداد الدور الحضاري للأمة. ولكن، ومع تعقد المشهد الميداني في العقد الأخير، برزت الحاجة لقراءة الجزء الثاني من هذه المسيرة؛ قراءة لا تكتفي برصد العوائق الخارجية، بل تشرح بجرأة “التآكل الداخلي” الذي حوّل القوة الدافعة إلى طاقة تدمير ذاتية تحت مسمى “الافتراس السياسي”.

​المحور الأول: القوة الدافعة وهيكلة المواجهة

​إن الدافع العقدي الإصلاحي للصحوة وفّر خزانًا بشرياً هائلاً، لكن هذا الخزان كان يحتاج إلى “عقل استراتيجي” يدرك حجم “القوى المانعة” الدولية. يبرز هنا أبو مصعب السوري الذي أيقن أن القوة المانعة قادرة على إبعاد التنظيمات الهرمية التقليدية، فدعا إلى تحويل العمل من “تنسيق التنظيم” إلى “منهج العمل”، ليكون المقاوم فرداً عابراً للحدود والارتهان للغير، مما يحرر القوة الدافعة من قيود المركزية القاتلة.

​المحور الثاني: تشخيص العلة (من القابلية للاستعمار إلى القابلية للافتراس)

​لماذا تفشل القوة الدافعة رغم صدقها؟ هنا نستحضر فلسفة مالك بن نبي. فإذا كان بن نبي قد شخّص أزمة الأمة بـ (القابلية للاستعمار)، فإن واقعنا المعاصر كشف عن خلل أعمق وهو (القابلية للافتراس السياسي). وهي الحالة التي يُشرعن فيها إقصاء الأخ ورفيق الدرب تحت ستار الدين، حيث يُستخدم الغلو كأداة “افتراس” لتفريغ الساحة من الحكماء، مما يمنح القوى المانعة انتصاراً مجانياً نتيجة التآكل الذاتي.

​المحور الثالث: المفاصلة المنحرفة (قراءة في فكر سيد قطب)

​لقد طرح سيد قطب مفهوم “المفاصلة” ليميز الصف المؤمن قلباً وفكراً، لكن سوء التطبيق الحركي حوّل هذا المفهوم إلى “قوة مانعة” داخلية. وبدلاً من أن تكون المفاصلة مع المنظومات الجاهلية، تحولت بفعل ضيق الأفق إلى مفاصلة داخل الصف الإسلامي نفسه، مما أعطى الغطاء الشرعي لعمليات التصفية والافتراس تحت ذريعة “النقاء المنهجي”.

​المحور الرابع: الجدار الحصين (التربية الصلبة عند عبد الله عزام)

​لمواجهة هذا التآكل، كان الشيخ عبد الله عزام يصر على أن القوة الدافعة لا تُحفظ إلا بـ “التربية الصلبة”. فالتربية عنده هي صمام الأمان الذي يمنع المجاهد من التحول إلى “مفترس”، والصف الذي لا يتربى على الورع وفقه الأخوة، يتحول عند أول منعطف للمصالح إلى تجمعات متناحرة تفتقد للبركة والمناعة.

​المحور الخامس: الاعتدال والمآل (أبو خالد السوري نموذجاً)

​تعد تجربة أبو خالد السوري التجسيد الحي والمأساوي لصدام “العقل” مع “الافتراس السياسي”. فحين حاول أبو خالد لجم الغلو وإعادته لمسار الحكمة، واجه الافتراس في أبشع صوره (الاغتيال). لقد قُتل بدم بارد بيد من يرفعون شعارات الصحوة، مما يؤكد أن الغلو والافتراس السياسي هما أشد فتكاً بالصحوة من أي عدو خارجي.

​المحور السادس: المخرج (فقه المآلات والوعي الاستراتيجي)

​للانتقال من هذا الضياع، يطرح د. جاسم سلطان ضرورة تبني “الوعي الاستراتيجي”. فالصحوة الراشدة هي التي تدرس مآلات الأفعال ونتائج الحركة بالسنن الكونية لا بالعواطف المجردة. هذا الوعي هو الذي يكبح جماح الافتراس ويحول الطاقة من الصراع الداخلي إلى البناء المؤسسي المتراكم.

​الخاتمة: بوصلة العمل

​إن “الصحوة الإسلامية” اليوم تقف أمام مفترق طرق؛ فإما أن تستسلم لآفات الافتراس السياسي وتستمر في استنزاف نفسها، وإما أن تستفيد من دروس الكبار ومراجعات الميدان. إن القوة الدافعة تحتاج إلى بوصلة استراتيجية، وسياج تربوي، وحصانة ضد الغلو، لكي تثمر تمكيناً حقيقياً يحمي الأمة ويحفظ كيانها.

……………………………………………………………………………………….

​المراجع والمصادر للإثراء:

​أبو مصعب السوري: دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، الجزء الثاني (المسار العملي)، ص 845-920.

​مالك بن نبي: شروط النهضة، دار الفكر، ص 74-82 (فصل القابلية للاستعمار).

​أبو خالد السوري: رسالة النصيحة والتحذير من الغلو، نسخة مفرغة، أواخر عام 2013، ص 3-5.

​سيد قطب: معالم في الطريق، دار الشروق، ص 10-15 (جيل قرآني فريد)، ص 172.

​عبد الله عزام: عبر ودروس من الجهاد الأفغاني، ص 22-25 (أهمية التربية).

​د. جاسم سلطان: قوانين النهضة (قواعد في فقه المآلات)، ص 45-58.

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير. الصعوبة الحقيقية...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات