نهضة أمة ………قطوف سيد جزء ( 1 )

النهوض الإسلامي

إن الإسلام لا يملك أن يؤدي دورَه إلا أن يتمثل في مجتمع، أي أن يتمثل في أمة، فالبشرية لا تستمع – وبخاصة في هذا الزمان – إلى عقيدةٍ مجردة، لا ترى مِصْدَاقَها الواقعيَّ في حياةٍ مشهودة.. ووجودُ الأمةِ المسلمة يُعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة، فالأمة المسلمة ليست “أرضاً” كان يعيش فيها الإسلام.. وليست “قوماً” كان أجدادُهم في عصرٍ من عصور التاريخ يعيشون بالنظام الإسلامي.. إنما “الأمة المسلمة” جماعة من البشر تنبثق حياتُهم وتصوراتُهم وأوضاعُهم وأنظمتهم وقِيمُهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي، وهذه الأمة – بهذه المواصفات – قد انقطع وُجودُها منذ انقطاع الحُكمِ بشريعةِ الله من فوق ظهر الأرض جميعاً.
ولابد من “إعادةِ” وُجودِ هذه “الأمة”، لكي يؤدي الإسلامُ دَوْرَه المرتقبَ في قيادة البشرية مرةً أخرى.
لابد من “بَعثٍ” لتلك الأمة التي واراها رُكامُ الأجيال، ورُكامُ التصورات، وركام الأوضاع، وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام ولا بالمنهج الإسلامي.. وإن كانت لا تزال تزعم أنها قائمةً فيما يُسَمَّى “العالمَ الإسلامي”!
وأنا أعرف أن المسافة بين محاولة “البعث” وبين تسلم “القيادة” مسافةٌ شاسعة.. فقد غابت الأمة المسلمة عن “الوجود” وعن “الشهود” دَهْراً طويلاً، وقد تولت قيادةَ البشريةِ أفكارٌ أخرى وأممٌ أخرى وتصورات أخرى وأوضاع أخرى فترةً طويلة، وقد أبدعت العبقرية الأوروبية – هذه الفترة – رصيداً ضخماً من “العِلم” و”الثقافة” و”الأنظمة” و”الإنتاج المادي”.. وهو رصيد ضخم تقف البشرية على قمته، ولا نُفَرِّطُ فيه ولا فِيمَنْ يمثله بسهولة.. وبخاصة أن ما يسمى “العالم الإسلامي” يكاد يكون عاطلاً من كلِّ هذه الزينة..
ولكن لابد – مع هذه الاعتبارات كلها – من “البعث الإسلامي” مهما تكن المسافة شاسعة بين مُحاولةِ البعث وبين تسلم القيادة، فمحاولة البعث الإسلامي هي الخطوةُ الأولى التي لا يمكن تخطيها.
* * *
ولكي نكون على بَيِّنةٍ من الأمر، ينبغي أن ندرك – على وجه التحديد – مؤهلاتِ هذه الأمة للقيادة البشرية، كي لا نخطئ عناصرَها في مُحاولةِ البعث الأولى.
إن هذه الأمة لا تملك الآن – وليس مطلوباً منها – أن تقدم للبشرية تفوقاً خارقاً في الإبداع المادي.. يَحْنِي لها الرقاب، ويفرض قيادتها العالمية من هذه الزاوية، فالعبقرية الأوروبية قد سبقتها في هذا المضمار سبقاً واسعاً، وليس من المنتظر – خلال عِدَّةِ قرون على الأقل – التفوق المادي عليها.
فلابد إذن من مؤهل آخر.. المؤهل الذي تفتقده هذه الحضارة..
إن هذا لا يعني أن نهمل الإبداع المادي، فمن واجبنا أن نحاول فيه جهدنا، ولكن لا بوصفه “المؤهل” الذي نتقدم به لقيادة البشرية في المرحلة الراهنة، إنما بوصفه ضرورةً ذاتية لوجودنا، كذلك بوصفه واجباً يفرضه علينا “التصورُ الإسلامي” الذي ينوط بالإنسان خلافة الأرض، ويجعلها – تحت شروطٍ خاصة – عبادةً لله، وتحقيقاً لغايةِ الوجودِ الإنساني.
لابد إذن من مؤهلٍ آخرَ لقيادةِ البشرية – غير الإبداع المادي – ولن يكون هذا المؤهلُ سوى “العقيدة” و”المنهج” الذي يسمح للبشرية أن تحتفظ بنجاح العبقرية المادية، تحت إشرافِ تصورٍ آخرَ يُلبِّي حاجة الفطرة كما يُلبِّيها الإبداع المادي، وأن تتمثل العقيدةُ والمنهجُ في تجمعٍ إنساني.. أيْ في مُجتمعٍ مُسلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

وكالة زيتون الإخبارية …….هل هناك توافق تركي أمريكي على رياض حجاب كرئيس انتقالي لسوريا؟

مؤسسة الإئتلاف الوطني   قال محلل سياسي معارض، إن الولايات المتحدة...

مبادرات …….الهيئة الإنتقالية السورية 2012

لأن السوريين خرجوا منصدورهم العارية في مواجهة أزمة الهمجية...

صحيفة الفتح المصرية ..ذكرى مرورتسع سنوات على الثورة السورية

تمضي الثورة السورية كل هذه السنوات لتدخل عامها العاشر...

تشجيع روسيا للحوار التركي الاسدي

يقول المحلل السياسي والمعارض السوري، حسام نجار من بولنداعبر...

غذي روحك …..السجن جنات ونار

المنشد : أبو راتب https://www.youtube.com/embed/qNubLrImfCE
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

المادة السابقة
المقالة القادمة
spot_imgspot_img