لقد كانت العلاقة بين سوريا وإيران واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في السياسة الإقليمية منذ منتصف القرن العشرين، إذ امتدت من مسار حذر خلال عهد الشاه إلى تلاحم استراتيجي خلال حكم حافظ الأسد، ثم تحول إلى شبكة نفوذ عميقة خلال عهد بشار الأسد والثورة السورية.
أولاً: عهد الشاه
في الفترة التي سبقت الثورة الإيرانية عام 1979، كانت سوريا تتبع المعسكر السوفيتي، بينما إيران بقيادة الشاه كانت جزءاً من المعسكر الأمريكي، وتربطها علاقات وثيقة بإسرائيل. هذا الاختلاف الإيديولوجي والطائفي والسياسي خلق بروداً طبيعياً بين دمشق وطهران، رغم أن كلا الدولتين كان لهما مصالحهما الإقليمية الخاصة، خصوصاً في مواجهة العراق.
في هذه المرحلة، لم يكن هناك تعاون مباشر على مستوى مؤسسات الدولة الداخلية، ولم يكن لدى إيران القدرة على زرع عناصرها داخل الأجهزة السورية. ما حدث كان محدوداً إلى حدود التنسيق الدبلوماسي والأمني في القضايا الخارجية، مثل لبنان ومراقبة التوازن الإقليمي ضد بغداد. أي ضباط أو عناصر سورية تعاونت مع إيران، كانوا غالباً في رتب متوسطة داخل الأجهزة الأمنية ولم يكن لهم تأثير داخلي جوهري.
ثانياً: عهد حافظ الأسد
مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم بعد انقلاب عام 1970، بدأت إيران في عهد الخميني بالنظر إلى سوريا كحليف محتمل استراتيجي، خصوصاً لمواجهة العراق، وفي ملفات لبنان وحزب الله لاحقاً. حافظ الأسد اتسم بالبراغماتية السياسية، ففتح المجال لإقامة قنوات محدودة للتنسيق مع إيران، دون السماح لها بالتغلغل داخل الأجهزة السورية أو البنية الاجتماعية بشكل مباشر.
في هذه المرحلة، بعض ضباط الأجهزة الأمنية مثل محمد ناصيف خيربك بدأوا يظهرون كحلقة وصل بين دمشق وطهران، لكن هذا النفوذ كان محدوداً ومركزاً على التنسيق الخارجي أكثر من النفوذ الداخلي. أما أخوه رفعت الأسد، فكانت ميوله تميل إلى الغرب وأمريكا، ولم يكن داعماً لفتح أبواب إيران داخل الجيش أو الحرس الجمهوري. أي ميل للتعاون مع إيران كان خاضعاً لرؤية حافظ فقط، ولم يكن له تأثير واسع في مؤسسات الدولة.
لكن كان موقف حافظ الأسد في حرب إيران مع العراق، مغايراً لكل العرب، و هذا ما فتح الأفاق أمام دخول موسى الصدر، لتعترف إيران بحذر، أن العلويين جزء من الشيعة، و هنا بدأت البعثات تتجه لإيران لدراسة التاريخ الفارسي، و النية لتأسيس حزب الله اللبناني.
ثالثاً: عهد بشار الأسد قبل الثورة
مع توريث القاصر بشار الأسد عام 2000، و الباسه عباءة أكبر من حجمه، و كونه في حالة انفصام شخصية، أصبح الضعف الكبير لخبرته السياسية وضعف الثقة في المحيط الأمني أحد العوامل الأساسية التي سمحت لإيران بتوسيع نفوذها بشكل تدريجي داخل الدولة السورية.
العناصر القديمة من عهد الأب مثل محمد ناصيف خيربك وعلي مملوك وجميل حسن صعدت من رتب متوسطة إلى مناصب عليا، فصارت أدوات طبيعية لتوسيع النفوذ الإيراني.
إيران لم تجند وزراء أو سفراء رسميين، لكنها استفادت من ميل بعض المسؤولين السوريين للتعاون معها لأسباب طائفية، مذهبية، أو استراتيجية مثال واضح ( السفير بشار الجعفري ).
بعض العلويين مثلاً رأوا في إيران حليفاً طبيعياً، بينما بعض المسؤولين الآخرين رأوا فيها قوة إقليمية داعمة لمصالح سوريا وموازناً للنفوذ الغربي والعربي المنافس، مثال ( سهيل الحسن ).
في هذه المرحلة، إيران بدأت بخلق خطوط مالية وأمنية مفتوحة لبشار الأسد، و كان الاعتماد على الخطين الائتمانيين اللذين فتحتهما له، كانا حسب الرواية الإيرانية بمبلغ ( 50 مليار دولار )، ما عزز قدرة عناصر الميل نحو إيران على التأثير داخل الأجهزة الأمنية والجيش والمستشارين المدنيين.
رابعاً: الثورة السورية والتغلغل الإيراني العميق
مع اندلاع الثورة السورية، تحوّل النفوذ الإيراني من ميل محدود وتعاون استراتيجي إلى شبكة فعالة تغلغلت في المؤسسات الحساسة:
ضباط الأمن والجيش أصبحوا حلقة وصل مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، و باقي المليشيات العراقية، الأفغانية، الباكستانية، ونسّقوا العمليات العسكرية والأمنية، بما في ذلك الاعتقالات والميليشيات على الأرض.
بل كان لهذه المليشيات الدور البارز في عمليات القتل الممنهج، هدم المنازل، المساجد، الذبح بالسكين.
كما قلنا إيران لم تجند وزراء أو سفراء بشكل رسمي، لكن العناصر الموالية لها في الوزارات والمستشارين سمحت بتسهيل مشاريعها المالية والعسكرية.
الأسماء نفسها من عهد الأب تطورت لتصبح فاعلة ومؤثرة، وظهر أيضاً عبد السلام فجر محمود في تنسيق مباشر مع المشاريع الإيرانية داخل المخابرات الجوية.
خامساً: طبيعة الميل والتعاون
نستطيع القول أنه ليس تجنيداً رسمياً، بل ميلاً طبيعياً للتعاون: طائفي، مذهبي، أو استراتيجي.
هذا الميل كان كافياً لإيران للسيطرة على جوانب حساسة من الدولة السورية، خاصة خلال الثورة، حين ضعفت سلطة بشار على الأجهزة.
هذا الميل سمح لإيران بتوسيع سيطرتها على الجيش والأمن ووزارة الداخلية والمؤسسات المدنية دون الحاجة لتجنيد أحد بشكل مباشر.
خلاصة
العلاقة السورية–الإيرانية تطورت من تباعد إيديولوجي وتحفظ دبلوماسي في عهد الشاه، إلى تعاون استراتيجي محدود في عهد حافظ الأسد، ثم إلى تغلغل عميق وفعال خلال عهد بشار الأسد والثورة السورية.
حافظ الأسد: فتح قناة محدودة لإيران، النفوذ كان ضيقًا ومركزًا على التنسيق الخارجي (حزب الله، لبنان، توحيد المواقف ضد العراق).
رفعت الأسد: ميول غربية، تحفظ على النفوذ الإيراني الداخلي.
بشار الأسد: ضعف الخبرة والثقة، فتح المجال لعناصر قديمة لتوسيع النفوذ الإيراني، دون تجنيد مباشر، لكن الميل الطائفي والاستراتيجي ساعد على بناء شبكة مؤثرة داخل الدولة.
بهذا المسار، استطاعت إيران أن تتحول من شريك تكتيكي محدود إلى قوة نافذة داخل الدولة السورية، مما جعلها لاعبًا مركزيًا في السياسة السورية خلال الثورة السورية.
لكن مع انتصار الثورة، أصبحت إيران خارج المعادلة، بل الجانب الضعيف الذي يحاول العودة، من خلال دعم العناصر الهاربة والمنفلتة، هذا الدعم الواضح والمكشوف، بل حتى أدواتها في المنطقة، حزب الله، و الحوثي، المليشيات الطائفية، ضُربت في مقتل، وعادت إيران لحجمها الطبيعي، تحاول اللعب على بعض الأحداث الجارية في الداخل السوري.
بقلم : حسام نجار: كاتب يبحث في زوايا الواقع السوري من منظور نقدي واستراتيجي.
المصادر :
تقرير “هيومن رايتس ووتش” (Human Rights Watch): حول العمليات العسكرية للمليشيات الطائفية، ووثائق تثبت عمليات التغيير الديموغرافي (هدم المنازل والمساجد).
معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute): لديهم دراسات تفصيلية حول تحول الجيش السوري إلى “جيش هجين” ودور المستشارين الإيرانيين في الأجهزة الأمنية.
تقارير مجلس الأمن الدولي: وتحديداً تقارير لجان العقوبات التي تفصل أحياناً الخطوط المالية واللوجستية بين فيلق القدس ووزارات سورية معينة.





