من سقوط سلطة الاستبداد إلى اختبار دولة الشعب (الجزء الأول)

ليس من الصعب أن نتوقع أن سورية ستتغير.

الصعوبة الحقيقية هي أن ندرك طبيعة التغيير الذي يجري، وأن نميز بين تغيير في السلطة وتغيير في الدولة، وبين انتهاء مرحلة من الصراع وبين انتهاء الأسباب التي أنتجت الصراع.

فالدول لا تبدأ من لحظة سقوط أنظمتها، وإنما تبدأ من اللحظة التي تستطيع فيها أن تعيد تعريف نفسها، و تشكيل مؤسساتها.

ولهذا فإن السؤال عن سورية حتى عام 2030 لا ينبغي أن يكون: من سيحكم سورية؟

بل: أي سورية ستولد من رحم المرحلة الانتقالية؟

هناك فرق كبير بين دولة تنتقل من سلطة مستبدة إلى سلطة ديمقراطية شعبية، ودولة تنتقل من بنية سياسية هشة تعتمد على ترهيب المواطنين في بنيانها إلى بنية سياسية أخرى يهمها أمن الأفراد و المجتمع.

الأولى تغير رأس السلطة. أما الثانية فتغير طريقة عمل السلطة نفسها، و هنا يظهر الاختلاف الحقيقي بينهما.

كانت السنوات الماضية اختباراً لقوة السلطة. أما السنوات المقبلة فهي اختبار لقوة الدولة، والفرق بين الاثنين واضح جليّ.

فالسلطة تستطيع أن تستخدم القوة، و هذا ما عملت عليه سلطة الأسدين على مدى سنوات حكمهما، و يمكنها أن تدير الاختلاف بالقوة.

 و هذا ما كانت تفعله نتيجةلحل الخلاف بين القبائل أو العشائر (عشائر حمص)، بحيث كان غازي كنعان هو حجر الأساس في هذه العملية.

 و قدرتها في الاعتماد على الأشخاص، لأن مبدأ عملها القوة والولاءات.

بينما الدولة  الحديثة يجب أن تتمركز القوة بيدها وتنظمها وتمنحها شرعيتها، و أن تستخدمها وفق قواعد و أصول ينظمها الدستور، و تمنع تشكل مجموعات قوى خلفية تستخدمها حين الحاجة (دولة البعث ).

وعليها أن تحول الاختلاف إلى علاقة سياسية قابلة للإدارة.

فلا  يمكن أن تستمر بالمؤسسات فقط ، بل بتفعيل دور المؤسسات التي تعمل تحت سقف القانون، و هذا ما يميز المرحلة وكيفية إدارتها.

عندها لن تكون سورية قد دخلت مرحلة جديدة بالمعنى الحقيقي، بل ستكون قد دخلت مرحلة جديدة بأدوات و وسائل مهترئة، كأن تنشأ مصنعاً فخماً لكن أدوات العمل بسيطة و معطلة.

بالنظر لهذه الأمور فإن أخطر ما يمكن حدوثه في سورية هو أن تنجح في تغيير السلطة دون أن تنجح في تغيير البنية التي أسست تنافراً في علاقة السلطة والمجتمع.

كما أن الانتقال من مفهوم السلطة إلى مفهوم الدولة لا يتم بمجرد إعادة تشكيل المؤسسات، بل بتفعيل دورها الصحيح.

فكل دولة في النهاية تستند إلى قوة تحمي وجودها، وتفرض قوانينها، وتمنع تحول المجتمع إلى مجموعة من مراكز القوة المتنافسة، كما تمنع نشوء دولة داخل الدولة.

بعد كل هذا يطل علينا  السؤال الذي نبحث عنه : من يملك القوة في سورية المقبلة؟ ومن يستطيع استخدامها و تحجيمها؟

وهذا السؤال سيكون محور الجزء الثاني

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

سورية بين الأصل و الفرع: نحوعقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

هل القوة هي التي تحكم الدولة أم الدولة التي تتحكم بالقوة؟ (الجزء الثاني)

تكلمنا في الجزء الأول بمقدمة عن كيفية الانتقال من...

مقدمة : الفرق و المدارس في الإسلام

كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟ هذه ليست سلسلة للخصومة،...

سوريا ما بعد التحرير: من لغة المصالح إلى بناء الدولة

إن مرحلة بناء الدولة تفرض نقلة جذرية نحو خطوة...

الحاضنات الإنتاجية و الاقتصاد المستدام في سورية

الحاضنات الإنتاجية و الإقتصاد المستدام في سورية من يقرأ واقع...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات