
كيف نشأت؟ وماذا قالت؟ وكيف تطورت؟
هذه ليست سلسلة للخصومة، ولا لمحاكمة الناس، ولا لتكفير أحد، ولا لإصدار الأحكام على الأشخاص.
إنما هي محاولة هادئة لنتعرف معًا على تاريخ الأفكار العقدية في الحضارة الإسلامية:
كيف ظهرت هذه الفرق والمدارس؟ وفي أي ظروف نشأت؟ ومن أبرز رجالها؟ وما المسائل التي اختلفت فيها؟ وماذا قالت مصادر كل مدرسة عن نفسها؟
سنحاول أن نعرض القول كما هو، بقدر ما تسمح به المصادر، ونفرق بين ما اتفق عليه أتباع المدرسة، وبين ما قاله بعض أفرادها أو غلاتها.
فليس من الأمانة العلمية أن نقول: “هذه الفرقة كلها تقول كذا” إذا كانت مصادرها وتاريخها تثبت وجود اختلافات داخلية بينها.
كما لن نقول للقارئ: هذا صحيح وهذا باطل.
سنضع أمامه المادة، ونذكر مصادرها، ونشرح المصطلحات التي قد يلتبس معناها، ثم نترك له مساحة القراءة والفهم.
لماذا نبدأ بهذه السلسلة؟
لأن كثيرًا من أسماء الفرق أصبحت اليوم تُستخدم في النقاشات بصورة مختصرة، وأحيانًا بصورة لا تعكس تاريخها الحقيقي.
فالقدرية، والجبرية، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والإباضية، والأشعرية، والماتريدية، والاتجاهات الأخرى، لم تظهر كلها في زمن واحد، ولم تكن كلها من طبيعة واحدة، ولم تكن مواقفها ثابتة على صورة واحدة عبر القرون.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن علم الكلام الإسلامي ناقش قضايا كبرى مثل: القدر والاختيار، وحقيقة الإيمان والعمل، وصفات الله، وخلق القرآن، ورؤية الله في الآخرة، والوعد والوعيد، ومسألة مرتكب الكبيرة.
كما أن الأشعرية والماتريدية ظهرتا في مرحلة لاحقة بوصفهما مدرستين كلاميتين لهما حضور واسع في التاريخ السني، ولذلك لن نضعهما ببساطة في قائمة واحدة مع فرق ظهرت قبلهم بقرون، بل سنشرح لكل مدرسة زمنها وسياقها وتطورها الخاص. وتوضح المصادر التاريخية أن الأشعرية ارتبطت بأبي الحسن الأشعري، وأن المدرسة تطورت بعده ولم تكن نسخة واحدة ثابتة في جميع مراحلها.
ومنهجنا في هذه السلسلة : أولاً : لا تجريح. ثانياً : لا تكفير. ثالثاً : لا تقديس ولا تشويه. رابعاً : لا ننسب قولاً إلى جماعة كاملة إلا بعد التحقق من نسبته إليها.
خامساً : نفرق بين مؤسس المدرسة وبين من جاء بعده، لأن الأفكار قد تتطور. سادساً : إذا كان في المسألة أكثر من قول داخل الفرقة نفسها، سنذكر ذلك.
سابعاً : عندما يكون هناك خلاف في الرواية التاريخية، سنقول بوضوح: “تختلف المصادر في ذلك”، ولن نحول الرواية المختلف عليها إلى حقيقة قطعية.
ثامناً : سنحاول قدر الإمكان الرجوع إلى مصادر الفرق نفسها، وإلى كتب التاريخ والدراسات الأكاديمية، لا إلى منشور مجهول أو مقطع متداول.
وستكون كل حلقة على هذا الترتيب:
1 . اسم الفرقة أو المدرسة 2 . متى وأين ظهرت؟ 3 . أبرز الشخصيات المرتبطة بها 4 . الظروف التي نشأت فيها
5 . أبرز أصولها العقدية 6 . موقفها من القضايا الكبرى 7 . أهم التطورات والانقسامات داخلها 8 . المصادر التي اعتمدنا عليها
ثم ننتقل إلى المدرسة أو الفرقة التالية.
قد نختلف مع بعض الأفكار، وقد نتفق مع بعضها، وقد نجد أن الصورة التاريخية أعقد بكثير مما تنقله لنا الكتب المختصرة.
لكن هدفنا هنا ليس أن نقول للقارئ ماذا يعتقد. هدفنا أن نعطيه المعلومة كاملة قدر استطاعتنا، ثم نقول له: اقرأ… وافهم… وتأمل.
فالتاريخ لا يحتاج إلى صراخ، والعلم لا يحتاج إلى تجريح، والحقيقة لا تخاف من السؤال.
والله ولي التوفيق.


