
كتب : صدر الدين اليافي – مواطن سوري
قبل أن نتحدث عن الحكومة، وعن البرلمان، وعن الانتخابات، وعن الأحزاب، وعن شكل النظام السياسي، علينا أن نتوقف عند سؤال أعمق:
لماذا اخترع الإنسان الدولة؟
منذ آلاف السنين، قرر البشر أن يعيشوا ضمن كيان سياسي ينظم حياتهم، ويضع لهم القواعد، ويحمي حقوقهم، ويفصل في نزاعاتهم.
لأن الإنسان أدرك مبكراً أن الحرية من دون نظام قد تتحول إلى فوضى، وأن القوة من دون قانون تتحول إلى ظلم، وأن المجتمع من دون مؤسسات يصبح أسيراً للأفراد والجماعات الأقوى.
ومن هنا ولدت فكرة الدولة.
لكن الدولة في أصل فكرتها لم تنشأ لكي يستولي عليها شخص أو عائلة أو حزب أو جماعة، وإنما نشأت لكي تحمي الإنسان وتنظم المجتمع وتوفر البيئة التي يستطيع فيها الناس أن يعمروا حياتهم.
وهنا نصل إلى جوهر الفكرة:
الدولة ليست غاية.الإنسان هو الغاية، والعمران هو الثمرة.
فالطرق والمباني والمصانع والمدن مهمة، لكن لا قيمة لها إذا كان الإنسان خائفاً أو جائعاً أو فاقداً لكرامته وحريته.وليس لديه حس عالي بالمواطنه.
وكذلك لا يكفي أن نبني إنساناً متعلماً ومنتجاً إذا كان يعيش في دولة لا تحمي حقوقه، ولا توفر له العدالة، ولا تضمن له الأمن، ولا تسمح له بالمشاركة في صناعة مستقبله.
لذلك فإن العمران الحقيقي هو التوازن بين بناء الإنسان وبناء الدوله.
المجتمع هو الذي يحمل الدولة.
الدولة لا تعيش في الفراغ. إنها تعيش بالمجتمع، وتمولها موارده، وتحميها مؤسساته، ويمنحها المواطنون شرعيتها.
ولهذا فإن المجتمع القوي لا يحتاج إلى دولة ضعيفة، كما أن الدولة القوية لا تحتاج إلى مجتمع ضعيف.على العكس
كلما كان المجتمع قوياً وواعياً ومشاركاً، أصبحت الدولة أكثر قوة واستقراراً.
لكن قوة الدولة لا تعني قوة السلطة على المجتمع.
هناك فرق بين الدولة القوية والسلطة القوية.
السلطة القوية قد تكون قادرة على إسكات الناس.
أما الدولة القوية فهي التي تستطيع أن تجعل الناس يختلفون دون أن يتقاتلوا، ويتنافسوا دون أن يتآمروا، ويحتكموا إلى القانون بدلاً من السلاح.
الدولة القوية هي التي يكون فيها القانون أقوى من الحاكم، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والمصلحة العامة أعلى من مصالح الجماعات.
ومن هنا تأتي السياسة.
السياسة ليست معركة دائمة على السلطة.
السياسة في جوهرها هي فن إدارة الاختلاف وتوجيه الموارد والطاقات نحو المستقبل.
السياسة هي أن نختلف دون أن نهدم الدولة.
أن نتنافس دون أن نخون الوطن.
أن نصل إلى السلطة عبر المؤسسات، وأن نغادرها عبر المؤسسات.
أن يصبح الاختلاف السياسي جزءاً من الحياة الطبيعية،
لقد عانت سوريا طويلاً من اختزال الدولة في السلطة.
وأصبح المواطن في كثير من الأحيان ينظر إلى الدولة باعتبارها جهازاً فوقه، لا مؤسسة تحميه.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس فقط أن نغير الأشخاص الذين يحكمون، بل أن نغير العلاقة بين الدولة والمجتمع.
نريد أن ننتقل:
من دولة السلطة إلى دولة القانون.
من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.
من الرعية إلى المواطنة.
من الخوف إلى الثقة.
من احتكار القرار إلى المشاركة.
ومن الصراع على الدولة إلى العمل من أجل الدولة.
والأهم من ذلك كله:
أن ننتقل من سؤال: من يحكم سوريا؟
إلى سؤال: كيف تحكم سوريا؟
لأن الأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات فتبقى.
والحكام يرحلون، أما الدولة فتستمر.
وهنا تكمن مسؤوليتنا التاريخية.
إن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يكون مجرد إعادة بناء ما تهدم من أبنية وطرق ومصانع.
إعادة الإعمار الحقيقية هي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين المجتمع ومؤسساته، وبين السوري ومستقبله.
نريد دولة يشعر فيها المواطن أن القانون يحميه، لا أن السلطة تخيفه.
دولة يستطيع فيها المستثمر أن يثق بالقانون، والعامل أن يثق بعمله، والشاب أن يثق بمستقبله، والمرأة أن تثق بحقوقها، والمعارض أن يثق بأن اختلافه السياسي لا يجعله عدواً للدولة.
هذه هي الدولة التي نريدها.
دولة لا تملك المجتمع، بل يملكها المجتمع.
دولة لا تكون فيها السياسة أداة للهيمنة، بل أداة لإدارة الاختلاف وتحقيق المصلحة العامة.
دولة يكون فيها الإنسان غاية، والمجتمع حاملاً، والدولة إطاراً، والسياسة أداة، والعمران نتيجة.
ربما تكون هذه هي مهمتنا الكبرى:
أن نبني دولة لا تحتاج إلى الخوف كي تستمر، لأن القانون يحميها، والمؤسسات تسندها، والمجتمع يؤمن بها.
فإذا نجحنا في بناء هذه الدولة، فلن نكون قد أعدنا إعمار سوريا فحسب.
بل سنكون قد أسسنا سوريا التي تستطيع أن تعيش، وتنتج، وتتقدم، وتختلف، وتتصالح، وتبني مستقبلها لأجيال قادمة.
وهذا هو جوهر العمران السياسي:
أن نجعل السياسة في خدمة الإنسان، والدولة في خدمة المجتمع، والمجتمع شريكاً في صناعة الدولة، وأن يكون الهدف النهائي لكل ذلك:
إنسان حر، مجتمع قوي، دولة عادلة، وعمران مستدام.
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←

