
في الخطاب الإنساني تختلف النوايا والرغبات، كلٌ حسب أهدافه ورؤيته، فلا تعمل الكلمات كلّها بالطريقة نفسها، بعضها للإصلاح، وبعضها للتجييش والتحريض، وبعضها يفعل الأمرين معًا دون أن يصرّح، معتمداً على المتلقي، مستخدماً عبارات هادفة، وبين هذه الأفعال يقف مفهومان يبدوان متقاربين في الظاهر، لكنهما متباعدان في البنية، النقد الهادف البناء والتحريض غير المباشر.
فالنقد البنّاء هو صوتٌ هدفه الإصلاح، يضع يده على الخلل دون شطط، ويقترح طريقاً للحل أو يظهر خفايا الخطأ الحاصل، إنه خطابٌ عقلاني، مباشر، يعمل على المشكلة نفسها، ويبحث عن تحسين الأداء أو تصحيح المسار.
أما التحريض غير المباشر فهو خطابٌ يعمل في منطقة أخرى تماماً، بهدفٍ يُراد منه الحصول على مكاسب فرعية، أو إسقاط رؤية مخالفة له، هذه المنطقة لا يصرّح من خلالها بما يريد، بل يزرع إحساساً، ويخلق مزاجاً يحقق من خلاله مراده، ويعيد توجيه الانتباه دون أن يعلن ذلك، إنه ليس دعوةً صريحة للفعل، بل تهييجٌ نفسيٌ يجعل الفعل ممكناً لاحقاً.
فالنقد هو المصباح الذي ينير الدرب الخافت أو المظلم، ويدفع الآخرين لإنارته بهدوء وروية، والتحريض هو المعول الذي يدك ويهدم حتى الجيد الصحيح.
الكثير من الناس قد لا يميزون بين النقد والتحريض، فالحالة العامة هي التي تؤثر على فهمهم للخطاب، وأكثر ما يدغدغ مشاعرهم هي الأمور المتعلقة بمصالحهم وعيشهم، والبعض منهم آذانهم صاغية لكل اعتراض، فتمارس بعض الكيانات أساليب نفسية ضاغطة، تجعل من خطابها محرضاً عاماً شاملاً، يؤثر على الأفراد، يضغط على مشاعرهم، يوتر حياتهم،
ليس كل المتلقين يقفون على المسافة نفسها من الخطاب. هناك من يبحث عن الحل، فيتلقّى النقد كفرصة. وهناك من يبحث عن الانفعال، فيتلقّى التحريض كوقود. وهناك من يتأثر بالضجيج أكثر من الفكرة، فيصبح عرضة للخطاب الموجّه.
هذا الاختلاف يجعل التحريض غير المباشر أكثر خطورة، لأنه يتسلّل عبر نقاط الضعف النفسية.
والتحريض ليس فعلاً فردياً محضاً، بل أصبح يدار ضمن شبكات تستغل المتلقي، وتشحن عواطفه وتربطها باستمرار حياته، على أنها من قضايا البقاء الوجودي، لذا فالتحريض قادر على تشكيل مزاج شعبي متبدل حسب الحالة.
ومن الواضح أن التحريض له أدواته، فهو لا يهاجم الفكرة مباشرة، بل يعتمد على ثغرات بها، ويقارن بين الواقع المعاش والحلم المراد العيش به، ومن خلال هذا فإنه يستطيع بناء فكرة يتلقاها الأفراد ويعتبرونها أساس المشكلة.
لكننا عندما ننظر للنقد البناء فهو يبين الواقع وتشعباته، ويظهر العقبات الفعلية التي صيغ القرار بناءً عليها، ويقترح الحلول المستقبلية، ويحاول تكوين وعي جمعي، لا يتلاعب بالمشاعر، لغته مباشرة، ليس له مصالح جانبية. لذلك قلنا إنّه كالمصباح يضيء، بينما التحريض هو المعول الخفي لهدم الموجود من البناء.
من هنا، نرى ما حصل في سورية خلال الأيام الماضية والخاصة بارتفاع أسعار المحروقات، فالعالم كله ينشغل بالحرب الحاصلة وإغلاق مضيق هرمز، والآن أصبح باب المندب قاب قوسين أو أدنى، الدولة السورية الجديدة، قدراتها ضعيفة، تحاول بناء ذاتها، ومحكومة بما يحصل في العالم برمته، كما أن حقولها النفطية والمصافي ليست بتلك الجودة،
نصل لنتيجة أن الفرق بين المنهجين يحمل في طياته تأويلات عديدة حسب الناقد والمتلقي.
إن الوعي الجمعي هو الأداة التي تميز بين الإضاءة والعتمة، بين من ينقد ليصحح وبين من يثير الغرائز، واحدٌ هدفه بناء الدولة والآخر يتغذى على الفوضى ويمارس ألاعيبه.
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←

