قصيدة الخطاب ……..الشاعر / نزار قباني


 
أوقفوني

وأنا أضحك كالمجنون وحدي

من خطاب كان يلقيه أمير المؤمنين

كلّفتني ضحكتي عشرَ سنينْ

سألوني ، وأنا في غرفةِ التحقيقْ ، عمّن حرّضوني

فضحكت ..

وعن المال ، وعمّن موّلوني

فضحكت ..

كتبوا كلَّ إجاباتي .. ولم يستجوبوني

قال عنّي المدّعي العام ، وقال الجند حين اعتقلوني :

إنني ضدَّ الحكومة

لم أكن أعرف أنَّ الضحك يحتاج لترخيص الحكومة

ورسوم ، وطوابع ..

لم أكن أعرف شيئاً .. عن غسيل المخِّ ..

أو فرم الأصابع

فعلى طول الصحارى العربية

ممكن أن يكتب الإنسان ضدَّ الله .. لا ضدَّ الحكومة

فاعذروني ، أيّها السّادة ، إن كنت ضحكت

كان في ودّي أن أبكي .. ولكنّي ضحكت

كنت بعد الظهر في المقهى .. وكان البهلوان

يلبس الطرطور بالرأس .. ويلقي كلَّ ما يطلبهُ المستمعون

عن حزيران الذي صار مع الأيام .. ما يطلبهُ المستمعون

واحتفالا مثل عيد الفطرِ والأضحى

أراجيح ، وكعكا ، وفطائر.

وزيارات مقابر

كنت أسترجع أفكاري ،وكان المخبرون

كالجراثيم .. على كلِّ الفناجين ، وفي كلِّ الصحون

كنت أصغي .. كألوف البسطاء الطيّبين

لكلام البهلوان

وهو يحكي .. ثم يحكي .. ثم يحكي

مثل صندوق العجائب

وتذكّرت ليالي رمضان

وأرجواز الذي كان له ألف لسان ولسان

وتذكّرت فلسطين التي صارت حقيبة

ما لها في الأرض صاحب

كان في حنجرتي ملح ، وحزني كان في حجم الكواكب

فاعذروني ، أيّها السّادة ، إن حطّمت صندوق العجائب

وتقيّأت على وجه أمير المؤمنين

وكبيرِ الياوران

واسترحت ..

كان في ودّي أن أبكي ..

ولكنّي ضحكتْ ..

نشروا في صحف اليوم تصاويري .. على أوّل صفحة

واعترافاتي على أول صفحة

فضحكت ..

قدّموني للإذاعات طعاما ، ولأسنان الصحافة

جعلوني دون أن أدري خرافة

ربطوني بالسّفارات .. وأحلاف الأجانب

فضحكت ..

إنني لم أشتغل من قبل قوّادا .. ولا كنت حصانا للأجانب

أنا عبد من عباد الله مستور ومغمور ، ومحدود المواهب

أسمع الأخبار كالناس .. وأستقبل مأمور الضرائبْ

زوجتي طيّبة القلب ، وعندي ولدان

وأبي حارب ضدَّ التُرك في الشام .. ومات

أنا لا أفهم في النحوِ .. وفي الصرف .. وفي علم الكلام

غير أني لم أعدْ أفهم من بعد حزيران الكلام

لم أعدْ أهضم حرفا .. من أكاذيب أمير المؤمنين

صارت الألفاظ مطاطا ..

وصارت لغة الحكّامِ صمغا وعجين

خدّروني بملايين الشعارات .. فنمت

وأروني القدس في الحلم

ولم أجد القدس ، ولا أحجارها ، حينَ استفقت

فاعذروني ، أيّها السّادة ، إن كنت ضحكت

كان في ودّيَ أن أبكي .. ولكنّي ضحكت

كنت في المخفر مكسورا .. كبللور كنيسة

نافخا سورة ياسين بوجه القاتلين

لم أكن أملك إلا الصبر .. والله يحب الصابرين

وجراحي .. كبساتين أريحا

يمطر الياقوت منها .. ويضوع الياسمين

وفلسطين على الأرض .. حقيبة

سقطت تحت نعال المخبرين

لم يزرني أحد في السجن

إلا جبل الكرمل والبحر وشمس الناصرة

كنت وحدي ..

وملوك الشرق كانوا جثثا فوق مياه الذاكرة

كنت مجروحا .. ومطروحا على وجهي ، كأكياس الطحين

أيّها السّادة : لا تندهشوا ..

كلّنا في نظر الحاكم .. أكياس طحين

كلّنا بعد حزيران خراف

نتسلّى بحشيش الصبر .. والله يحبُّ الصابرين

أيّها السّادة :

إني وارث الأرض الخراب

كلّما جئت إلى باب الخليفة

سائلا عن شرمِ الشيخِ وعن حيفا ..

و رام الله و الجولان أهداني خطاب

كلّما كلّمته جل جلاله

عن حزيران الذي صار حشيشا .. نتعاطاه صباحا ومساء

واحتفالا مثل عيد الفطر ، والأضحى ، وذكرى كربلاء

ركب السيّارة المكشوفة السقف .. وغطّى صدره بالأوسمة

ورشاني بخطاب

كلّما ناديته : يا أمير البر .. والبحر .. ويا عالي الجناب

سيف إسرائيل في رقبتنا

سيف إسرائيل في رقبتنا

سيف إسرائيل في رقبتنا

ركب السيّارة المكشوفة السقف .. إلى دار الإذاعة

ورشاني بخطاب

ورماني بين أسنان الجواسيس ، وأنياب الكلاب

فاعذروني ، أيّها السّادة ، إن كنت كفرت

وصفوا لي صبر أيّوب دواء .. فشربت

أطعموني ورق النشّاف .. ليلا ونهارا .. فأكلت

أدخلوني لفلسطين على أنغام ما يطلبه المستمعون

أدخلوني في دهاليز الجنون

فاعذروني أيّها السّادة إن كنت ضحكت

كان في ودّي أن أبكي ..

ولكنّي ضحكتْ….

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

رؤية إصلاحية للحياة السياسية

مقدمةتمرّ الحياة السياسية في أي دولة بلحظات مفصلية تتطلّب...

وجب الكفاح …شعر / الشيخ يوسف القرضاوي

يـا أمـتـي وجـب الكفاح فدعي التشدق والصياحودعـي الـتقاعس ليس ينصر من تقاعس واستراحودعـي  الـريـاء فـقـد تكلمت المذابح والجراحكـذب الـدعـاة إلـى الـسلام فلا سلام ولا سماحمـا عـاد يـجـدينا البكاء على الطلول ولا النواحلـغـة  الـكـلام تـعـطـلـت إلا التكلم بالرماحإنـا  نـتـوق لألـسـنٍ بـكـم عـلى أيد فصاح*                        *                       *يـا  قـوم.. إن الأمـر جـدُ قد مضى زمن المزاحسـمـوا  الـحـقائق باسمها فالقوم أمرهمو صراحسـقـط  الـقناع عن الوجوه ، وفعلهم بالسر.. باحعـاد  الـصـلـيـبيون ثانيةً.. وجالوا في البطاحعـاثـوا فـسـاداً فـي الـديـار كـأنها كلأ مباحعـادوا يـريـقـون الدماء ، فلا حياء من افتضاحوالـبـاطـنـيـة مـثـلوا الدور المقرر في نجاحدور  الـخـيـانـة وهـو مـعلوم الختام والافتتاحعادوا  وما في الشرق (نور الدين) يحكم أو (صلاح)كـنـا نـسـيـنـا مـا مضى لكنهم نكأوا الجراحلـم يـخجلوا من ذبح شيخ, لو مشى في الريح طاحأو صـبـيـة كـالـزهر لم ينبت لهم ريش الجناحلـم  يـشـف حـقدهمو دمٌ سفحوه في صلف وقاحعـبـثـوا بـأجـساد الضحايا في انتشاء وانشراحوعـدوا  على الأعراض لم يخشوا قصاصا أو جناحمـا  ثـم (مـعتصم) يغيث من استغاث به و صاحأرأيـت كـيـف يـكاد للإسلام في وضح الصباح؟أرأيـت أرض الأنـبـيـاء, وما تعاني من جراح؟أرأيـت  كـيف بغى اليهود, وكيف أحسنا الصياح؟غـصـبـوا  فـلـسـطينا وقالوا: مالنا عنها براحلـم  يـعـبـأوا بـقـرار (أمن), دانهم أو باقتراحعـاد  الـتـتـار يـقودهم جنكيز ذو الوجه الوقاحعـادت  جـيـوشـهـمو تهدد بالخراب والاجتياحعـادوا ولا (قـطـز) يـنادي المسلمين إلى الكفاحلـولا صـلابـة فـتـيـة غـر, بـدينهمو شحاحبـذلـوا  الـدماء, وما على من يبذل الدم من جناح*                        *                       *عـاد الـمـروق مـجاهرا ما عاد يخشى الافتضاحنـفـقـت هنا سوق النفاق تـُرَوِّج الزور الصراحفـيـهـا يـبـاع الفسق تحت اسم الفنون والانفتاحوتـرى الـفساد يصول جهرا في الغدو وفي الرواحمـن  كـل أكـذب مـن مسيلمة, وأفجر من سجاحوجـد الـحـصـون بـغير حراس, لها فغدا وراحومـضـى  يـعـربد, لا يبالي, في حمانا المستباحوتـعـالـت الأصـوات تـدعـو للفجور وللسفاحمـسـعـورة,  إن رحت تزجرها تمادت في النباحمـا  مـن (أبـي بـكـر) يؤدبهم ويكبح من جماحويـعـيـدهـم لـحظيرة الإيمان قد خفضوا الجناح*                        *                       *يـا  أمـة الإسـلام هـبـوا واعملوا، فالوقت راحالـكـفـر جـمـع شـمـله فلم النزاع والانتطاح؟فـتـجـمـعـوا  وتـجـهزوا بالمستطاع وبالمتاحيـا  ألـف مـلـيون, وأين همو إذا دعت الجراح؟هـاتـوا مـن الـمليار مليونا, صحاحا من صحاحمـن  كـل ألـف واحـدا أغـزو بهم في كل ساحمـن  كـل صافي الروح يوشك أن يطير بلا جناحمـمـن  يـخـف إلـى صلاة الليل بادي الارتياحمـمـن  يعف عن الحرام, وليس يسرف في المباحمـمـن  زكـا بـالـصالحات, وذكره كالمسك فاحمـمـن  يـهـيـم بـجنة الفردوس لا الغيد الملاحمَـن هـمـه نـصـح العباد وليس يأبى الانتصاحيـرجـو  رضـا مـولاه, لـم يعبأ بمن عنه أشاحمُـرٌّ  عـلـى أعـدائـه ولـقـومـه مـاء قراحإن ضـاقـت الـدنـيا به وسعته (سورة الانشراح)*                        *                       *لا بـد مـن صـنـع الرجال ، ومثله صنع السلاحوصـنـاعـة  الأبـطال علم في التراث له اتضاحلا يُـصـنـع الأبـطـال إلا فـي مساجدنا الفساحفـي  روضـة الـقرآن في ظل الأحاديث الصحاحفـي  صـحـبـة الأبرار ممن في رحاب الله ساحمـن يـرشـدون بـحـالـهم قبل الأقاويل الفصاحوغـراسـهـم  بـالـحق موصول, فلا يمحوه ماح*                        *                       *مـن  لـم يـعـش لـلـه عاش وقلبه ظمآن ضاحيـحـيـا سـجـين الطين, لم يطلق له يوما سراحويـدور حـول هـواه يـلهث ما استراح ولا أراحلا  يـسـتـوي فـي منطق الإيمان سكران وصاحمـن هـمـه الـتـقـوى وآخـر همه كأس وراحشـعـب بـغـيـر عـقـيدة ورق تـُذرّيه الرياحمن خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الكفاح)*                        *                       *يـا أمـتـي , صـبراً، فليلك كاد يسفر عن صباحلابـد لـلـكـابـوس أن يـنـزاح عـنا أو يزاحوالـلـيـل  إن تـشـتـد ظلمته نقول: الفجر لاح

سايكس -بيكو …بين الحقائق والتحليل ….بقلم / يعقوب يوسف الابراهيم

 ما زالت ارتدادات أصداء ما كُتِب عن «الاتفاقية الغبية»،...

ينفينا قرار وتجمعنا شائعة و يقتلنا برميل

ينفينا قرار وتجمعنا شائعة و يقتلنا برميل قرار وشائعة وبرميل براميل...

بصائر أيها المارون بين الكلمات العابرة ……

 أيها المارون بين الكلمات العابرة  احملوا أسماءكم وانصرفواوأسحبوا ساعاتكم من...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img