
تدور النقاشات والمفاوضات الجارية حول )آلية التنسيق والأمن المشتركة( أو )المنطقة الأمنية العازلة( بين سوريا وإسرائيل (برعاية ووساطة أمريكية) عبر عدة محاور ومستويات استراتيجية وميدانية.
شهدت المحادثات الأمنية (التي تنقلت بين باريس وعمّان تحت إشراف أمريكي) التوصل إلى تفاهمات حول إنشاء آلية لتنسيق خفض التصعيد العسكري وتبادل المعلومات. والحد من التوترات الحدودية، ومنع أي توغل أو صدام مباشر، مع بناء إطار لتنسيق العمليات الميدانية والحد من نفوذ الجماعات المسلحة (إن وجدت) على الشريط الحدودي.
يضغط الكيان الصهيوني باتجاه إبقاء المنطقة الممتدة من خط فض الاشتباك (عام 1974) باتجاه ريف دمشق الجنوبي وريف القنيطرة ودرعا منطقةً خالية من الأسلحة الثقيلة.
وتقوم القوات الإسرائيلية بتعزيز نقاطها العسكرية على قمم استراتيجية (مثل جبل الشيخ وتلال القنيطرة) وتحاول ترسيخ وجوداً عسكرياً على الطريق المعروف بـ (سوفا 53) – الحزام الميداني والأمني الممتد جنوباً باتجاه ريف درعا الغربي وقرب حوض اليرموك- لمنع أي تمركز عسكري يهدد حدودها الشمالية.
تُوظّف إسرائيل ملف الطائفة الدرزية في جنوب سورية (خاصة في السويداء وحضر والقنيطرة) كورقة ضغط وتفاوض جيوسياسية ملموسة للضغط على الحكومة السورية خلال مفاوضات الترتيبات الأمنية والمجال الحيوي في الجنوب.
في المفاوضات الأمنية، طرحت المخابرات الإسرائيلية فكرة إقامة ما يُشبه (التجمعات الفاصلة) في المناطق ذات الأغلبية الدرزية والمحاذية لجبل الشيخ والجولان، تهدف هذه الطروحات إلى منع الجيش السوري من نشر قوات ثقيلة أو فرض قبضته الأمنية في تلك المناطق، بحجة أن اسرائيل لن تسمح بتواجد عسكري مكثف على حدودها تحت أي عنوان.
حيث تظهر إسرائيل وكأنها تملك القدرة على منع دمشق من إدارة ملفاتها المحلية في الجنوب.
في المقابل تخشى الدولة السورية من أن يؤدي أي اتفاق أمني بشكله الحالي إلى فرض قيود دائمة على سيادة الدولة العسكرية وعلى إعادة بناء القوات المسلحة في الجنوب المحاذي للكيان الصهيوني.
كما تحاول الدولة السورية بعد انتصار ثورتها ضبط النفس بشكل كبير، نتيجة اعتبارات ضاغطة، منها الاستقرار الداخلي، إعادة الإعمار، بناء الجيش السوري، محاولة مجاراة القدرة العسكرية الإسرائيلية، بناء تحالفات.
و يشكل التعاون السوري التركي إحدى الأوراق الضاغطة على الكيان الصهيوني، لذا يحاول استخدام أدواته لزعزعة الاستقرار السوري، و محاولة تقسيم البلاد، الإصرار على التوغل و القصف في عمق الأراضي السورية لفرض الأمر الواقع عليها،
و من هنا نجد التفاوت الكبير في طلبات و شروط الطرفين، و يعتقد الكيان أنه يمتلك الأوراق الأكثر قوة للتفاوض.
تريد إسرائيل من سورية أن تكون دولة ضعيفة، ليس لديها القدرة على المجابهة ، و تصر على شروطها معتقدة أن بيدها زمام الأمور كلها، كما تطالب بتجريد محافظات القنيطرة، ودرعا، والسويداء، وصولاً إلى جنوب دمشق، من أي أسلحة ثقيلة، أو منظومات دفاع جوي، أو صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، كما تصرّ على إبقاء سيطرتها العسكرية والنارية على المواقع و الجبال ، وفي مقدمتها جبل الشيخ والنقاط المرتفعة في القنيطرة ( تل الأحمر- تل الحارة)، والنقاط التي أنشأتها ( نقطة التلول الحمر، محمية جباتا الخشب، العدنانية، الحميدية، القنيطرة المهدمة، الجزيرة)، إضافة إلى الشريط المعروف بـ (سوفا 53) والمنطقة العازلة، ورفض الخروج منها إلا بتوفر ضمانات أمنية كاملة.
تسعى للمطالبة بتثبيت حقها( المزعوم) بتجريد سورية من القدرة العسكرية، وشن ضربات استباقية ضد أي بناء لبنية تحتية عسكرية أو تحركات تعتبرها تهديداً أمنياً لها. و هي تشترط تفعيل مسار تنسيق أمني واستخباراتي مشترك برعاية أمريكية لمراقبة التحركات الحدودية وتتبع الأنشطة المسلحة للدولة السورية فقط. كما تحاول وضع ضوابط صارمة على حجم وطبيعة القوات التابعة للجيش السوري التي يحق لها الانتشار في المناطق الجنوبية وسلاحها المسموح به. كما أنها تتحفظ وتضع شروط أمنية حازمة تجاه أي تحرك لترسيخ نفوذ عسكري أو أمني لتركيا في الجنوب أو ضمن ترتيبات إدارة الشريط الحدودي.
يرفض الكيان العودة إلى خط فض الاشتباك عام 1974 بدعوى أن هناك خطراً على استقراره و وجوده.
بالمقابل ترفض سورية كل هذه الشروط وتطالب بالعودة لخط فض الاشتباك مع إعطاء ضمانات لإسرائيل بعدم الاعتداء، وتسعى لترتيبات أمنية في الجنوب السوري، برعاية أمريكية أو أممية، و تؤكد أنها جاهزة لتقديم ضمانات على أن تكون هذه الضمانات من الطرفين، وأن تلتزم إسرائيل بالاتفاق الأمني المزمع عقده. وأهم نقطة في رفضها هي حقها في السيادة على أرضها، والدفاع عنها، ولها حرية التحالف مع من تشاء، كما لغيرها هذه الحرية.
لكن الأولويات الأمريكية تتركز على منع انهيار الخدمات والمؤسسات في سوريا لتجنب أي فوضى أمنية قد يستغلها تنظيم داعش أو أطراف أخرى (روسيا، الصين)، تقليل الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط للتركيز على الملفات الكبرى، ويأتي هنا الدور الأمريكي للتوفيق بين الطرفين، فتحاول أمريكا وضع حلول وسطى لتقريب وجهات النظر، والانتقال من سياسة الضغط الخارجي إلى إيجاد بيئة ملائمة لإدارة آلية التنسيق والأمن المشتركة عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة والرقابة الإقليمية. كما أنها تفضل صياغة ترتيبات أمنية ثلاثية أو تعزيز دور قوات الأمم المتحدة (UNDOF)، مع إتاحة المجال لقوات حفظ النظام والشرطة السورية التابعة للدولة المركزية بالانتشار لضبط الأمن. تدرك واشنطن أن الإصرار الإسرائيلي على التوسع العازل يربك حسابات حلفاء آخرين (مثل تركيا ودول المنطقة) ويمنح الأطراف المناهضة ذريعة لإعادة التصعيد.
لا تستطيع إسرائيل تثبيت أي واقع جغرافي جديد أو التزام أمني طويل الأمد في الجنوب السوري دون غطاء ورعاية أمريكية تُكسبه الشرعية وتضمن عدم تدويله ضده في المحافل الدولية. سيتشكل التوافق الأمريكي-الإسرائيلي المرتقب عبر معادلة (تبادل المكاسب).
من يتابع مواقف إسرائيل يلاحظ و بدقة أنها ترفع سقف المطالب عالياً و لن تُصرّ على مطالبها القصوى بشكل جامد، بل ستتجه بالتأكيد إلى توافق وصيغة وسط مع واشنطن. و من المرجح أن تتراجع إسرائيل عن مطالب التوغل العميق (15 كم) والانسحاب من بعض البلدات، والقبول بحزام أمني ضيق وقريب من خط 1974، نزولاً عند الرغبة الأمريكية لتسهيل دمج سوريا.
ستشترط إسرائيل مقابل التراجع الجغرافي الإبقاء على نقاط رصد وتجسس استراتيجية محددة (خاصة في أعلى قمم جبل الشيخ وبعض التلال المرتفعة)، أو إدارة هذه النقاط عبر آلية تنسيق استخباراتي ثلاثية مبسطة مع واشنطن.
تتعامل إسرائيل مع (الدولة السورية الجديدة) وتشكيل جيشها الهيكلي بمزيج من الحذر والريبة والتقييم الاستخباري المعقد، فهي لا تخاف من خطر قتالي وشيك أو تفوق عسكري في المدى القريب، بل تخشى طبيعة العقيدة القتالية المتحولة ونوعية الخبرات الميدانية التي يحملها هذا الجيش الجديد.
لا يمانع الشارع والدبلوماسية العربية إبرام “ترتيبات أمنية وإجرائية” تُهدئ الحدود، بشرط أن تُصاغ تحت رعاية أمريكية وتنسيق دولي يضمن احترام السيادة السورية، ويمهد لرفع العقوبات، ويكفّ يد التوغل العسكري الإسرائيلي المباشر داخل الجنوب.
مع ثبات الموقف السوري على العودة لخط 1974، تُبدي دمشق مرونة إجرائية وليست جغرافية، القبول بإعادة نشر قوات حفظ السلام الدولية على طول خط فصل القوات لعام 1974 ومنحها الصلاحيات اللازمة للرقابة. والالتزام بآلية التنسيق المشتركة برعاية أمريكية لمنع الحوادث الميدانية، ولكن دون اقتطاع شبر واحد من الأرض السورية.
تعتبر إسرائيل الاتفاقيات الأمنية أدوات كسب وقت وتسكين مؤقت، وتتعامل مع المحيط الإقليمي بمبدأ الشك المطلق لا توجد ضمانة أمنية تعلو فوق قدرتنا الذاتية على التدخل والردع. لذلك، سيبقى الخوف والهاجس الأمني حيوياً في تفكير تل أبيب مهما تعددت المعاهدات وتوسعت المناطق العازلة.
هذه الترتيبات تجعل المواجهة العسكرية المباشرة في الجنوب السوري بعيدة، لكنها لا تفتح أبواب التطبيع السياسي والاندماج الشعبي والإقليمي، إذ يظل التطبيع الشامل رهيناً بالتسوية العادلة للقضية الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الشرعية الدولية، وهو ما لم يتحقق عبر التفاهمات الأمنية الحالية.
من الممكن جداً أن تصل سوريا إلى مرحلة متقدمة، ولكن ليس بالضرورة عبر الاستنساخ التقليدي للجيوش الضخمة في القرن الماضي، بل من خلال جيش وطني يعتمد على الدفاع الجوي الموزع، الطائرات المسيرة، الحرب السيبرانية، والقوات البرية عالية التجهيز والخبرة الميدانية. هذا النموذج كفيل بإيجاد توازن ردع حقيقي يحمي السيادة الوطنية ويُكبل يد التدخلات الخارجية.
بالنسبة لدمشق، هذه الترتيبات هي (تمهيد وإدارة للوقت) وإدارة عقلانية للمواجهة، تُحقق الاستقرار وتُكسب الدولة وقتاً ثميناً لترتيب البيت الداخلي. وبمجرد استعادة سوريا لعافيتها الاقتصادية واستكمال بناء جيشها على عقيدة قتالية واضحة المعالم، ستتحول هذه الاتفاقيات المؤقتة إلى ورقة تُعاد مراجعتها وفق موازين قوى جديدة تُعيد للسيادة السورية حقها الكامل.
تتحرك الدولة السورية اليوم وفق قاعدة رؤية بعدم التنازل عن الأرض فهي تدرك حدود قدراتها في مرحلة التعافي، وتستخدم البراغماتية السياسية كأداة لحماية سيادتها الوطنية، وبناء مؤسساتها، وإعادة موقعها كفاعل أساسي ومستقر في معادلة الشرق الأوسط.



