تأسيس الدولة:
في عام 1918 م خضعت الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن للانتداب البريطاني الذي بدأ يعمل بشكل حثيث مع الوكالة اليهودية نحو بناء الوطن القومي لليهود حسب الوعد المشؤوم الذي أطلقته حكومتهم.
كانت السياسة البريطانية في فلسطين تقوم على ثلاثة محاور, أولها وضع البلاد في الأحوال السياسية الاقتصادية و الاجتماعية التي تسمح بإنشاء الوطن القومي لليهود فيها, وتسهيل الهجرة اليهودية وتسهيل الاستيطان اليهودي فيها, ومع تطور المشروع الصهيوني وضياع المشروع المنافس العربي الإسلامي انتفض أهل البلاد عام 1929 م وقد حاولت الحكومة البريطانية استيعاب انتفاضة العرب عبر إرسال لجنة برئاسة السير سبنسون وقد أشار تقرير اللجنة إلى الأخطار المحدقة المحيطة بالفلاحين العرب نتيجة الهجرة اليهودية ولكن تقرير اللجة ضرب عرض الحائط, حيث وجه رئيس الحكومة البريطانية رامزي ماكدونالد للدكتور حاييم فايزمان رئيس الوكالة اليهودية ينفي أي نية الحكومة البريطانية بتقيد الهجرة اليهودية التي ازدادت بوصول هتلر لحكم ألمانيا وسياسته العدائية اتجاه اليهود التي صبت في نتيجتها النهائية في مصلحة الفكرة الصهيونية, وتشجيع الهجرة اليهودية نحو إسرائيل وتسريع الاستيلاء على الأراضي العربية ما دعى لتجدد انتفاضة أهل البلاد وهذه المرة بشكل مسلح أعنف من ذي قبل, أشعل شرارتها مجاهد مسلم قادم من ساحل الشام في مدينة جبلة عز الدين القسام, كان قد حارب الفرنسين في ساحل الشام فلاحقوه فهرب منه نحو دمشق التي كانت ما تزال تحت الحكم العربي الفيصلي, ثم هرب منها ساعة دخول الفرنسين لها بعد معركة ميسلون نحو حيفا وأقام فيها ولم يتخلى عم فكرة مقاومة الغزاة برابرة الغرب ومشروعهم في بلاد الإسلام, فأطلق العمل المسلح ضد بريطانيا وبمقتله اشتعلت ثورة شملت الأراض الفلسطينية من عام 1936 إلى عام 1939 م
أوفدت الحكومة البريطانية لجنة جديدة عام 1936 م إلى البلاد ولأول مرة تحدث تقرير حكومي بريطاني عن أن الوعود التي أعطتها بريطانيا للعرب واليهود متناقضة وهي المسبب لأحداث العنف حسب ادعائهم وأن الفرصة الوحيدة للسلام بين الطرفين هي بتقسيم البلاد إلى دولتين ومن هذه النقطة بدأ مشروع التقسيم وبدأت رسم الخطط له ومعطياً شذاذ الآفاق القادمين من كل حدب وصوب حقوقاً في أرض لها أصحاب يملكونها ويسكنونها, ولكن بريطانيا اضطرت مع دخول عام 1939 لتهدئة الأجواء في فلسطين بسبب دق طبول الحرب العالمية من جديد.
على الجانب اليهودي كان النشاط يجري حثيثاً في تأسيس المؤسسات التي ستكون نواة الدولة المنشودة, فعملت الوكالة اليهودية أولاً على زيادة نشاطها بين اليهود حتى من غير الصهاينة بهدف اكتسابها لصفة الممثل الوحيد لهم, وعلى الأرض الفلسطينية وفي عام 1920 م اكتمل بناء الجهاز المالي الصهيوني بإنشاء الصندوق التأسيسي لفلسطين الذي اهتم بجمع التبرعات من كل يهود العالم لدعم جهود بناء الوطن القومي لهم, وكان الدور الأساسي للصندوق هو دعم اليهود المهاجرين عبر القروض وعبر تأمين شراء الأراضي واستثمارها, وفي عام 1920 م أسس الاتحاد العام للعمال اليهود في فلسطين الهسيدروت لتنظيم العمال اليهود وقد نما بشكل كبير فبلغ عدد أعضائه قبيل نهاية الانتداب البريطاني 200 ألف عضو وقد ساهم في تخطيط الاقتصاد في المستوطنات اليهودية تمهيداً لبناء الوطن المزعوم على أساس اقتصادي مزدهر وسليم عبر توفير فرص العمل لليهود والعمل على ترويج وبيع المتجات اليهودية للعالم.
وبما أن الذراع العسكري أمر أساس لأي دولة فقد شكل اليهود مجموعة من العصابات تحت مسمى منظمات عسكرية تحت بند الدفاع عن اليهود وممتلكاتهم, فشكلت منظمة الدفاع العبرية في أرض إسرائيل (الهاجانا) بموافقة الهسيتدروت وقد دعمت سلطات الإنتداب البريطانية الهاجانا بشكل رسمي بعد ثورة 136 بتأسيس جهاز شرعي هو البوليس اليهودي لحماية المستعمرات اليهودية ما فتح أمام اليهود الطريق النظامي للتسلح والتدريب, وبشكل غير رسمي عبر تقديم الدعم الكامل لها في التدريب عبر ضابط المخابرات البريطاني وينجت, وقد صار لهذه العصابات مقرات وأماكن تمركز ونظام كالشرطة الجيوش النظامية, انشقت عن الهاجانا مجموعات أكثر تطرفاً عرفت بعصابات شتيرن التي رأت في الانتداب البريطاني عائقاً أمام اتمام المشروع الصهيوني فلم تتواني عن ضربه ساعة الحاجة لذلك.
رأى الصهاينة في الحرب الكبرى الثانية فرصة لهم لولادة دولتهم في حين أن بريطانيا أرادت تهدئة الاوضاع في فلسطين فأرادت استرضاء العرب لتضمن سكونهم في هذه الظروف الصعبة فعمل وزير المستعمرات البريطاني مالكوم ماكدونالد على إصدار كتاب أبيض بريطاني للعرب يعلن في مواده صرف النظر عن فكرة التقسيم وإبدالها بإقامة دولة فلسطينية في غضون عشر سنوات من تاريخه يكون اليهود طائفة فيها وأن حكومة جلالة الملك ليس من سياستها تهويد فلسطين ولا فرض جنسية يهودية على سكانها, أما بشأن الهجرة اليهودية فقد تحدث الكتاب عن ضبط الهجرة بحيث لا يزيد عدد اليهود في النهاية عن ثلث السكان ثم يتم إيقاف الهجرة نهائياً إلا بموافقة العرب.
شكل الكتاب الأبيض ضربة مؤقتة للمساعي الصهيونية المستعجلة, على الرغم من أنه ككل تقلبات السياسة البريطانية لم يخرج عن نطاق إلغاء عروبة وإسلامية فلسطين ودعم توطين الغرباء فيها, وجاء الرد الصهيوني شعبياً عبر التظاهرات ورسمياً عبر رسالة أرسلها الدكتور فايزمان إلى المندوب السامي البريطاني يقول فيها: ” إن الوطن القومي اليهودي يفقد معناه في اللحظة التي يصبح فيها دخول اليهود إليه ممنوعاً إلا بموافقة العرب.” وعقد تحت تلك الظروف المؤتمر الصهيوني في جنيف عام 1939 م قبل بداية الحرب العالمية بأيام وأهم ما على طاولته موضوع التعاون مع بريطانيا في ظل سياستها الراهنة وقد برز في المؤتمر ثلاث اتجاهات, أولها بقيادة الدوكتور فايزمان الذي كان يرى ضرورة استمرار التعاون مع بريطانيا على الرغم من انقلاب سياستها لعلمه أن هذا الانقلاب مؤقت ولا يغير الخط العام للسياسة البريطانية الملتزمة بالقضية اليهودية. أما الاتجاه الآخر فقد كان بقيادة ديفد بين غوريون ويرى بضرورة التخلي عن المظلة البريطانية و أن اليهود في فلسطين صاروا يملكون ما يؤهلهم لإقامة وطنهم بانفسهم. وقد خرج المؤتمر بحل وسط يرى العمل على استكمال إجراءات قيام الدولة في أرض فلسطين وعدم الاصطدام بالبريطانين إلا في حال الضرورة القصوى, وبناء عليه أكد اليهود تأيدهم لبريطانيا في الحرب خاصة و أن الخصم ألمانيا يحمل سياسة معادية لليهود, وبهدف الاستفادة من الحرب لتطوير القدرات العسكرية اليهودية بما يخدم تأسيس جيش يهودي يكون حامياً للوطن المزعوم, وقد طلبت الوكالة اليهودية من بريطانيا قبول تجنيد يهود فلسطين لأغراض الحرب ولكن الحكومة البريطانية كانت ترى التريث في قبول الطلب إلا أن ظروف الحرب حتمت على حكومة تشيرشل ضرورة سحب الكثير من القوات البريطانية في فلسطين نحو الجبهات في مصر وليبيا وإحلال قوات يهودية لتؤدي أدوار القوى المسحوبة في فلسطين, وقبول تجنيد اليهود كأفراد للخدمة في أي جبهة من جبهات الحرب وليس فلسطين فحسب, ولكن اليهود كان يتخوفون من انتصار ألماني يقضي على أحلامهم أو يؤجلها فرأوا الجيش اليهودي ضرورة لا غنى عنها فشكلت الهاجانا عام 1941 عصابات البالماخ وكانت على تعوان غير رسمي مع البريطانيين.
فوق كل ذلك أدرك اليهود أن أمامهم مشكلة مازالت بعيدة عن الحل وهي مشكلة السكان العرب وأغلبيتهم, لذا كان لابد من حلول جذرية لهذه القضية والحل البسيط السهل بالنسبة لليهود هو التهجير, وقد اوضح ذلك الجنرال الأمريكي باتريك هاركي الذي أوفده الرئيس روزفيلت عام 1943 م لإعداد تقرير عن الأوضاع في فلسطين وقد صرح بأن اليهود يهدفون إلى إنشاء وطن يشمل كل فلسطين وشرق نهر الأردن ربما, مع حل مشكلة السكان العرب بنقلهم إلى العراق والدول العربية المجاورة.
صعد متطرفوا اليهود عملياتهم الإرهابية في النصف الثاني من الحرب بهدف ترويع العرب وضرب هيبة البريطانين التي صارت جهودها في دعم القضية الصهيونية أبطأ من عجلة الصهاينة نحو هدفهم, فاسهدفوا حتى المندوب السامي البريطاني ونجى من الاغتيال بأعجوبة, وبدأت تتنامى الدعوات اليهودية لنقل الثقل والاعتماد في القضية اليهودية إلى الولايات المتحدة القوة الكبرى المرشحة لتكون الرابح الأكبر من الحرب, من ناحيتها جهدت الولايات المتحدة في دعم التيار اليهودي المؤيد لها بقيادة بن غوريون على حساب أتباع بريطانيا بقيادة فايزمان بهدف العمل على خطة تصفية السيطرة البريطانية في العالم مستغلة الموقف البريطاني المتريث في فلسطين.
بعد نهاية الحرب حافظت الحكومة البريطانية على سياستها السابقة نتيجة ضعف موقفها بعد الحرب ولأنها لم تتوقع انقلاباً صهيونياً عليها وهي التي رعت المشروع خطوة بخطوة, وقد رأت أن أي تقسيم للبلاد أو تغير بالوضع الراهن سيدفع نحو حرب أهلية في مناطق نفوذها في فلسطين وسعت لحل القضية مع شركاء النصر في أمريكا, ولكن السياسة البريطانية تلقت ضربة مزدوجة من الوكالة اليهودية التي قررت في عام 1945 م وقف التعاون مع حكومة الانتداب, ومن الرئيس الأمريكي ترومان الذي رفض كل كل المقترحات البريطانية بهدف ارباك سياستها حتى تخسر نفوذها في منطقة حيوية بالنسبة لها, وأعلن دعمه الكامل لعودة الهجرة اليهودية إلى حدود المئة ألف يهودي ما دفع بريطانيا بعد ان فقدت قدرتها على السيطرة على البلاد وتزايد الضغوط عليها فيها وعدم قدرتها على تهدئة العرب واليهود لإعلان فشلها عام 1947 م ونقل الملف برمته للأمم المتحدة أي للسلة الأمريكية, والتي قررت حسب القرار 181 انهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيمها بين العرب واليهود وإقامة منطقة تخضع لحماية دولية.
في هذه الأثناء وبدعم كامل من الولايات المتحدة الأمريكية استكملت إسرائيل تأسيس جيشها في مقابل جهود عربية ضعيفة من دول حديثة الاستقلال وأخرى غير مستقلة غير قادرة على تقديم الكثير لإخوانهم في فلسطين, خاصة وأنهم قرروا سلفاً الالتزام بالشرعية الدولية الظالمة الآكلة لحقوقهم, ذلك الالتزام الذي كان وما يزال وبالاً وتكبيلاً لامتنا المسلمة, وكان يوم الرابع عشر من أيارلعام 1948 م يوماً مشؤوماً جديداً في تاريخ هذه الأمة حين أعلنت بريطانيا بضغط من ألأمم المتحدة ومن خلفها امريكا انسحابها رسمياً من فلسطين, وأعلن ديفد بن غوريون بالتزامن مع ذلك الإعلان قيام دولة إسرائيل.
سارع العرب لخوض الحرب في فلسطين وهرع المتطوعون من كل البلاد نحوها ولكن أحداث الحرب تشير إلى أنها كانت مسرحية يلعب كل فيها دوره باتقان, أدت في نهاية المطاف إلى تهجير ما يقارب الـ750 ألف عربي وهدم أكثر من 500 قرية عربية وقلب وجه مدن عربية بوجه يهودي مقت غاصب, وبلغ المشروع منتهاه أو هكذا ظننا في تلك اللحظة, وقامت الدولة التي سعى لها الغرب منذ أن طهر صلاح الدين الأيوبي أرض القدس وروتها دماء المسلمين قبل ألف عام, ولكن المشروع الصهيوني الغربي كان له ذيول وتمددات طويلة متتالية لاستمرار السيطرة الاستعمارية على المنطقة وانتقلت إسرائيل من استكمال السيطرة العسكرية على المناطق الواقعة غرب النهر بعد عام م1967 إلى ايهام العرب بالسلام الموعود ومن ثم التمدد في اختراق الثقافة العربية وتفكيك أسس المجتمعات المحيطة بها واختراقها حتى تصل إلى اليوم الذي تضمن وأد الروح التي مكنت صلاح الدين ومن سبقوه ولحقوه بطرد الصليبين من المشرق, وهيهات لهم أن يتم ذلك





