من المستفيد من تأسيس “علاقات جديدة” بين سوريا المنتصرة و روسيا الخاسرة؟
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تحركات دبلوماسية واقتصادية واسعة النطاق، حيث تسعى قوى دولية مختلفة إلى اقتطاع أكبر قدر ممكن من “الكعكة السورية”. وتتباين أهداف هذه القوى بين مصالح اقتصادية بحتة، وأطماع مرتبطة بالموقع الجيوسياسي لسورية، إضافة إلى محاولات ترسيخ نفوذ عسكري مباشر على الأرض السورية. وفي خضم هذه التفاعلات، تبرز روسيا كإحدى أبرز الدول المنخرطة في المشهد السوري، نظرًا لكونها الداعم الأساسي للنظام السابق وأحد أهم أدواته في عمليات القمع والقتل الممنهج ضد الشعب السوري.تنطلق السياسة الروسية من محاولة إعادة تبييض صورتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، من دون أن تُبدي أي اعتراف بالأخطاء أو اعتذار عن الانتهاكات المرتكبة. وتبرر موسكو تدخلها باعتباره دعمًا لحليف استراتيجي، مستندة إلى اتفاقيات شاملة عقدتها مع النظام السابق، مكنتها من السيطرة على مفاصل حيوية في الدولة السورية، وجعلت البلاد رهينة لهذه التفاهمات. غير أنّ التحولات السياسية الأخيرة أفضت إلى تقويض تلك المكتسبات الروسية، وهو ما يدفع موسكو إلى البحث عن صيغة جديدة للعلاقة مع دمشق. وفي هذا السياق، تحاول الدولتان بناء جدار من الثقة يقوم على تحقيق مصالح متبادلة، شرط ألا تكون هذه المصالح على حساب الأرض أو القرار السيادي السوري. ومن هنا تأتي عملية إعادة تقييم الاتفاقيات السابقة بما يتوافق مع التوجه العام للدولة السورية الجديدة.ويتمثل هذا التوجه في استعادة سياسة “عدم الانحياز” التي أُهملت في عهد النظام السابق، إذ ترى القيادة السورية الجديدة أنّ مصلحتها الوطنية والتنموية تقتضي التعاون مع مختلف الأطراف الدولية، شريطة أن يكون ذلك ضمن إطار يحفظ السيادة الوطنية ويمنع ارتهان القرار السوري لأي قوة خارجية.غير أنّ التساؤل الجوهري يتمثل في مدى قدرة روسيا على الإسهام الفعلي في ملف إعادة الإعمار. فمن الناحية العملية، تمتلك موسكو خبرات سابقة في مجالات محدودة، أبرزها التدريب العسكري، والمساهمة في إدارة أو إنشاء بعض المصانع خلال العقود الماضية، فضلًا عن دورها في مجالات الأمن السيبراني وتوليد الطاقة التقليدية والبديلة. كما ارتبطت روسيا بعدة ملفات حساسة، منها طباعة العملة السورية في عهد النظام، واحتجاز الأموال السورية المهربة، واستضافة بعض أبناء المعتقلين، فضلًا عن محاولاتها نشر اللغة الروسية والأيديولوجيا السياسية عبر المنح الدراسية الموجهة للطلاب السوريين.وفي الخلاصة، ورغم حجم الانتهاكات المرتبطة بالدور الروسي في سورية، يبقى من غير الممكن قطع العلاقة مع موسكو نظرًا لعضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي وما تمتلكه من نفوذ سياسي دولي. إلا أنّ هذه العلاقة يجب أن تُبنى على أسس واضحة تضمن مصالح سورية العليا، وتحافظ على استقلال قرارها الوطني، وتمنع ارتهانها مجددًا لأي قوة خارجية.