الدول الناشئة واليقين السياسي: بين هشاشة التخطيط ورسوخ المعرفة

 تخضع المجتمعات البشرية لسلسلة من الأفكار  حين تحاول تطبيقها على أرض الواقع المعاش فربما تصطدم بمطبات و عوائق متعددة تحاول تخطيها، و تعتمد على خطط أنية و أخرى مستقبلية للنهوض و الاستمرار و الوصول للهدف المنشود لكن تلك الاستدامة يجب أن تبنى على فكرة اليقين السياسي ‘ حيث يُعدّ مفهوم اليقين السياسي أو غيابه – عدم اليقين السياسي- عاملاً حاسماً في إدارة المجتمع، إذ يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، و على ثقة المواطنين، وقدرة الحكومات على التخطيط والتنفيذ.

1)      المفهوم النظري لليقين السياسي لدى الكتاب و الفلاسفة :


وكي نسير في تحليلنا لإدارة المجتمعات لا بد من الإضاءة على “اليقين السياسي” حسب الكتاب ورجال الدين والفلاسفة:

·         ابن سعدي “اليقين هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل”.

·         الصوفية ” رؤية العيان بقوة الإيمان، لا بالحجة والبرهان “

·         فلسفياً: الاعتقاد الراسخ والجازم في صحة مبادئ أو أنظمة سياسية معينة، بحيث لا تشوبه أدنى شك أو ريبة، ويُنظر إليه كحقيقة لا تقبل الجدل.

·         مونتسكيو: يعتبر أن اليقين السياسي يتحقق من خلال فصل السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) لمنع تركز السلطة في يد واحدة وضمان استقلال كل سلطة، مما يحمي الحرية ويمنع الاستبداد. 

·         سيد قطب: “اليقين” السياسي يرتبط بالإيمان بسيادة الله المطلقة في التشريع والحكم، وأن أي محاولة للاستيلاء على هذه السيادة، سواء من قبل الحكام المستبدين أو الشعوب نفسها، هي نوع من الطغيان ويجب مقاومتها. 

·         عبد الوهاب المسيري: أن اليقين السياسي هو مفهوم إشكالي يحول دون فهم الظواهر السياسية في جوهرها،

2)      اليقين السياسي ودوره في إدارة المجتمع:

يشير اليقين السياسي إلى حالة الوضوح والثقة النسبيين في اتجاهات السياسة العامة والنظام السياسي للدولة. عندما يسود اليقين، تكون إدارة المجتمع أكثر فعالية:

و من المسلم به في كل الأوساط أن الاستقرار السياسي يولد حالة من الثقة بالقرارات و السلطة الحاكمة و هو البيئة المُثلى للنمو. إن وجود ( اليقين ) يشجع على:

a)      الاستثمار طويل الأجل :

هناك مقولة يتداولها التجار و المستثمرون أن رأس المال جبان‘ و أن المغامرة تشوبها مخاطرة فيتردد المستثمرون (سواء المحليون أو الأجانب) في ضخ رؤوس الأموال في بيئة يخشون فيها من التغييرات المفاجئة سواء كانت هذه التغيرات  في الضرائب، أو التشريعات، أو ملكية الأصول، أو نظام الحكم ، أو الانقلابات وغيرها ؛التي تجعل من تلك الاستثمارات عرضة للضياع؛ إن اليقين يقلل من مخاطر السياسات ويجعل التوقعات الاقتصادية أكثر موثوقية. 

b)     أمثلة مقارنة عن اليقين و عدم اليقين :

 1.      مناطق عدم اليقين ( المحددة للاستثمار ):

 ·         مناطق عدم اليقين نتيجة الانقلابات :

منطقة الساحل الأفريقي: شهدت دول مثل مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر والغابون سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أدت إلى تدهور بيئة الاستثمار وزيادة عدم اليقين السياسي. 

·         التأثير التشريعي (الضرائب):

الأرجنتين، غينيا بيساو، سورينام، كولومبيا ، تفرض هذه الدول معدلات ضريبية مرتفعة على الشركات، مما قد يحد من تدفق الاستثمارات إليها.

2. مناطق اليقين النسبي (جذب الاستثمار):

·         قطر، الإمارات، عمان تعد هذه الدول من الدول التي لا تفرض ضريبة على دخل الشركات، مما يجعلها وجهة استثمارية جاذبة. 

·         النشاط الاقتصادي: أظهرت الأبحاث أن عدم اليقين يكبح النشاط الاقتصادي ويؤدي إلى تباطؤ النمو، حيث تؤجل الشركات قرارات التوظيف والتوسع.

 2. بناء الثقة المجتمعية والمؤسسية

الثقة هي حجر الزاوية في إدارة المجتمع المستقرة.

  • ثقة المواطنين: عندما يشعر المواطنون باليقين بشأن استمرارية النظام واستقرار القوانين والعدالة في التطبيق، ترتفع الثقة في المؤسسات الحكومية. هذا يسهل الامتثال للقرارات العامة ويدعم التعاون بين الدولة والمجتمع.
  • الوحدة الاجتماعية: يساهم اليقين في الوعي السياسي للمجتمع، مما يقلل من الغضب المجتمعي ونمو القوى المتطرفة التي تتغذى على الفوضى وعدم الرضا عن الأداء السياسي.

 3.  فعالية الحوكمة وصنع القرار

يؤثر اليقين السياسي بشكل مباشر على كفاءة الإدارة الحكومية:

  • التخطيط الاستراتيجي: يمكن للحكومات في ظل اليقين السياسي وضع خطط استراتيجية طويلة المدى وتنفيذها دون خوف من إلغائها أو تغييرها جذرياً مع كل تغيير سياسي. هذا يشمل سياسات التعليم، والصحة، والبنية التحتية.
  • مواجهة التحديات العالمية: في عالم يتسم بـ “عصر انعدام اليقين” الجيوسياسي، يصبح اليقين الداخلي أساساً صلباً يسمح للدولة بالتركيز على التحديات الخارجية والتعامل معها بحصافة وثبات، بدلاً من تضييع الوقت في النزاعات الداخلية.

تحديات “عدم اليقين السياسي”

بما أن اليقين التام نادر الوجود في الحياة السياسية، فإن تحدي الإدارة يكمن في كيفية التعامل مع عدم اليقين السياسي، والذي ينبع من عوامل متعددة، منها:

  • الانتقالات السياسية: (كالانتخابات أو فترات التحول الديمقراطي.
  • الغموض التشريعي: عدم وضوح القوانين المستقبلية، خاصة ما يتعلق بالتجارة والضرائب.
  • الصراعات الداخلية: النزاعات بين الأطراف السياسية أو الحكومية التي تؤدي إلى تضارب في الرسائل والتوجهات.

تتطلب الإدارة الفعالة للمجتمع في عصر عدم اليقين من القادة التحلي بـ الشفافية، ووضع استراتيجيات للمخاطر تتضمن سيناريوهات متعددة، والتركيز على الالتزام بالقواعد والقوانين لتقليل العبء المعرفي والمالي على المواطنين والمستثمرين.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img