الحمد لله القائل في كتابه العزيز: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: ٤۱]
العدل أساس الملك، والفساد هدمه. والفساد فسادان: فساد حكم وفساد مجتمع.
أما فساد الحكم تتبعه الفوضى وأما فساد المجتمع فهو مقدمة تنذر بانهيار الدولة كلها (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، ِإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: ١١ -١٤]
الفساد داء الأمم القاتل، والمفسدون يردون شعوبهم وديارهم الى الهاوية، ثم تدور عليهم الدائرة لامحالة لأن الله لا يصلح عمل المفسدين.
والنص القرآني يستحث بالإنسان ملكة التفكير والتدبر والاعتبار فيقول سبحانه: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ….) [الروم:۹]
ويضرب مثلا بالمفسدين في شخص قارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليه رغم كل ما أعطي من مال وقوة ولكنه لم يأخذ بنصيحة الخيرين من قومه، إذ قالوا له (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: ٧٧]
لا تستكبر ولا تغتر بجبروتك ولا تعتدي على حقوق الناس ولا تنغمس في الفساد مستخفا بإرادة الناس التي جعلها الله مناط المسؤولية.
ثم بيّنت لنا السنة المطهرة أن العدل والمساواة والحرية منظومة ترابط المجتمع، فلم تأتِ التكاليف الشرعية إلا في مرحلة لاحقة، ذلك أن التحرر من عبودية السلطان وحصرها في العبودية للإله الأحد تحرر الإنسان من الخضوع والخنوع فيسترد إرادته وحقه في الدفاع عن ذاته وعن مجتمعه.
عقيدة أصيلة، وثقافة فريدة، وعقلية وليدة… قابلها السلطان الجائر بالاستخفاف ثم بالقتل والتشريد فكانت نتيجته زوال سلطانه ونظام حكمه وتفريخ المتطرفين والارهابيين رداً على تطرف الحكم الغشوم وإرهابه للناس وتصدياً لمتطرفيه وإرهابييه. ثم يأتي سؤال الغافل وجواب الحكيم:
(أنّا هذا؟) …… (قل هو من عند أنفسكم).
إنها الحقيقة الربانية التي دعانا تعالى الى الابحار نحوها، حقيقة نهوض الأمم وانهيارها، وحقيقة أن الفساد سرطان يتسلل الى كل عضو من المجتمع، فان لم تتداركه نصائح المخلصين عاثت به الغوغائية أو تنازعته القوى المتناحرة ثم تكون الغلبة للأقوى والأمكر والمتاجر بشرف الامة وعقيدتها وتراثها لصالح الأجنبي المتربص. مقابل عمل المصلحين نجد تحالف أتباع الليبرالية المتوحشة والعلمانية الموغلة بالإلحاد مع النظام الفاسد رغم أن مبادئهم وشعاراتهم منافية لهذا التحالف، ورغم علمهم بخيانتهم لها، ولكنهم يفعلون ذلك بقصد التغلغل في جهاز الحكم وإبعاد غيرهم عن حق الممارسة السياسية، ممنين النفس باحتمال التسلط على الحاكم الظالم او قلب نظام الحكم لصالحهم…. والأمثال ما زالت شاهدة وماثلة. أما المصلحون الناصحون فيتحالف الجميع ضدهم لأن إرادة الشر لديهم لا تترك فسحة للأخيار.
ولو انتقلنا من استقراء التاريخ الى استقراء الواقع المتمثل في الانتفاضات الحادثة في السنين الثلاثة الأخيرة لوجدنا أن هناك تشابكاً بين الأسباب والكيفيات.
فلماذا حدثت تلك الانتفاضات؟ وكيف حدثت؟…




