مقدمة
إن من أكثر ما يشغل الجموع والنخب على حدٍّ سواء في الساحة العربية، الصراع الفكري الإيديولوجي النابع من حركات وتجمعات اختلفت أفعالها عن أقوالها؛ فكانت أفكارها نرجسية وردية جميلة، لكن ممارساتها اتسمت بالعبثية والشخصانية.
وهي في الغالب تحاول الاستئثار بالقرار، ولو كان على حساب الدماء والأعراض؛ إذ إن وجود قيادات اعتقدت أنها الأقدر، وأن الجميع يجب أن ينصاع لأوامرها، أدى إلى حالة من التفرقة والابتعاد عن الهدف المنشود الذي وعدت به عناصرها وأتباعها.
إن الأفكار، عندما تكون قابلة للتطبيق والممارسة، تعطي أصحابها بُعدًا فكريًّا وقدرة على القيادة. أما عندما تنهار تلك الأفكار عند أول امتحان أخلاقي أو تطبيقي، فهذا يدفع الجميع إلى الانفصال والتفكك.
لكن ربما تمتلك تلك الحركات نفسًا طويلًا تعوّل عليه وتخدّر أتباعها به، مدّعية أن تطبيق الأفكار يحتاج إلى السير بخطوات هادئة؛ فالسرعة مطلوبة، لا التسرّع، لأن التسرّع قاتل.
وهذا قد يكون جزءًا من المشكلة التي تعاني منها جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام، وفرعها في سورية بشكل خاص.
الخطاب المعلن
قد تكون الانشقاقات وحالات الانفصال التي قامت بها عناصر خرجت من الجماعة غير مبرّرة، وتُعدّ شقًّا للصف، لكن بعد قراءة السير الذاتية والمحادثات التفصيلية لمعظم المواقف التي اتخذتها الجماعة، يتبيّن أن ذلك مبرّر، بل ويعكس الحالة التي كانت عليها الجماعة: عدم قدرتها على تطبيق المبادئ التي تأسست عليها. بل قد يكون دافعًا للهجوم على شخوصها وقيادتها، لا على الجماعة بذاتها.
إن من أسس أي تجمع أيديولوجي شدة الترابط بين عناصره، واعتمادهم على وحدة الصف رغم تباين الآراء وتباين التفسير لبعض الحالات. لكن بشكل عام، يبقى الأمر شأنًا داخليًّا يمكن حله بالحوار والمراجعة بين عناصر الجماعة.
بُنيت الجماعة على أمور أساسية ومبادئ ثابتة لا يمكن التعديل فيها، مثلها مثل غيرها من التجمعات. وتُعدّ هذه المبادئ مقدسة لا يمكن بحال من الأحوال الابتعاد أو الانحراف عنها، وإلا يُعدّ المنحرف خارج سياق الجماعة.
إن أكثر التفسير والاختلاف يقع في المسائل الحياتية الآنية التي لها علاقة بجزء بسيط من مسار الاستمرارية والوصول إلى الهدف المنشود. فعلى سبيل المثال لا الحصر: العلاقة مع الحاكم، وكيفية التصرف؟ وهل يمكن التماهي مع أسلوب الحكم أم رفضه بشكل قاطع؟
• إن أحد المبادئ العامة للجماعة في العمل السياسي أنها تؤمن بالدخول في العمل السياسي والمشاركة في الحكم لتغيير الأنظمة نحو الأفضل. ( 1 )
• كذلك الشورى في كافة أمورها؛ فلا مجال للدكتاتورية، ولا لانفراد فرد بالسلطة، بل الاعتزاز بالحرية والدفاع عنها وتأكيدها كحقٍّ لكل الناس منحه الله لهم.( 1 )
وقد ورد في منهجهم أنهم يسعون إلى:
• التأكيد على الوحدة، ونبذ التفرق، والسعي لإزالة الخلافات والمشاحنات.
• تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة، والأمن، والحرية، والتملك، والعمل، والصحة، وإبداء الرأي.( 1 )
هذه الأمور مرتبطة بحياة الأفراد وبناء الدولة، وهم يصرّون عليها في كل حديث ومناسبة، ويعتبرونها آلية لعملهم وبناء المجتمع المنشود. لكن عندما تتعمّق في تصرفاتهم، تجد شيئًا مختلفًا، يظهر من خلاله التناقض بين القول والفعل، ويعيدك إلى المربع الأول: الالتفاف على المبادئ لتحقيق رؤى شخصية من القادة، لا من الجماعة ككل.
وهذا التناقض لا يُضعف فقط شرعية المشروع، بل يُفقده القدرة على الإلهام والتجديد، ويجعل من المراجعة الفكرية والتنظيمية ضرورة لا ترفًا، إذا أرادت الجماعة أن تستعيد صدقيتها أمام جمهورها وأمام التاريخ.
دعا الدكتور مصطفى السباعي (مؤسس الجماعة في سورية) المسلمين إلى توحيد جهودهم وتجاوز الخلافات، مؤكدًا أن الاتحاد قوة قادرة على مواجهة الأعداء وتحقيق النصر.( 2 )
أما عدنان سعد الدين (المراقب العام للإخوان بين عامي 1976–1981)، فقد طرح فكرة توحيد تنظيمات الإخوان المسلمين الأربعة في كل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين في تنظيم واحد ككتلة إقليمية.
بينما الشيخ سعيد حوى حذّر من التفرق الذي يؤدي إلى تفكك الأمة، كما حذّر من أن يدفع بعض المشايخ مريديهم إلى طاعة الشيخ لا طاعة الله.( 1)
وبالعودة إلى تصرفات ومحادثات كلٍّ من الشيخ سعيد حوى والأستاذ عدنان سعد الدين مع عناصر الطليعة المقاتلة التي انفصلت عن الإخوان نتيجة خلاف حول طريقة العمل، نجد العجب العجاب، والذي يختلف برمّته عمّا يطرحانه للعلن.
إن هذا التناقض بين القول والفعل، بين الخطاب والممارسة، بين المبادئ والقرارات، لا يمكن عزله عن البنية التنظيمية التي تُكرّس الطاعة وتُهمّش النقد الداخلي.
الممارسة الفعلية
وقعت قيادة الجماعة في تناقضات ومغالطات بين المعلن والفعل. ففي صراعها مع الحكم، ورغبتها في فرض رؤيتها، حاولت أن تكون سيدة القرار داخل الحركة الإسلامية، متخطية كل السبل والطرق للوحدة كما طرحت في مبادئها ومنهجها.
في الصراع مع الحكم العلوي في سورية، من منتصف السبعينات وعلى امتداد عشر سنوات، كانت تلعب على وتر التنسيق والجهاد والظروف، واختلفت مع الطليعة المقاتلة على عناوين كثيرة ومواقف حساسة. ولو تم الاتفاق عليها حينها، لتغيّر وجه سورية بالكامل.
يقول عدنان عقلة (أحد قياديي الطليعة المقاتلة) في مذكراته( 3 ):
“علمنا نحن من خلال تحركنا المستمر والمباشر مع الإسلاميين على الساحة، أن إحدى جهات الإخوان المسلمين التي تعتبر نفسها الجهة الشرعية – هكذا تقول عن نفسها – والتي ترتبط بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، علمنا أنها كانت قد أعلنت استعدادها لدخول المعركة والمشاركة بما يجري على الساحة، على حين أنه سبق لها حين تفجر الموقف في سورية أن أصدرت بيانات تنفي مسؤوليتها عن كل شيء جرى على الساحة إطلاقًا، ودعت لتشكيل لجنة دولية محايدة للتحقيق في كل ما يجري لإثبات براءتها.”
كما يذكر أيمن الشربجي في مذكراته (مسؤول مكتب الطليعة في دمشق)، موجّهًا كلامه لقيادة الإخوان المسلمين في سورية(4):
“عندما بدأ الشيخ مروان رحمه الله، اتهمتموه بالتهور والتسرّع والتسبب بضرب الجماعات الإسلامية، وعندما انطلقنا بعد استشهاده كانت مواقفكم سلبية، لأننا لم ننسق مع الجميع. أما الآن، وبعد أن توقفنا لإصلاح أخطاء الماضي والإعداد لمعركة فيها أدنى نوع من التكافؤ مع النظام، وقفتم موقف المتفرج ولم تقدموا واحدًا بالمئة مما طلبناه.”
يتابع عدنان عقلة في مذكراته(3):
“اتصلوا بالجميع، وحاولوا جاهدين أن يحدثوا الشروخ في صفنا وفي تنظيمنا منذ البداية، وهذا تم في التنظيم الفاعل الذي كان يقود الأحداث والمسؤول عنها في الساحة، فكيف سيكون الأمر بالنسبة للإسلاميين الآخرين الذين يجهلون الموقف تمامًا؟”
يرفض عدنان سعد الدين (1) في هذا الإطار الارتباط بتنظيم لم يكن له وجود ظاهر أو معلن، مشيرًا إلى أن العمليات كانت سرّية وتتخذ قرارات بشكل مستقل.
إن انقسام الإخوان في سوريا إلى جناحين يختلفان في رؤيتهما للعمل، لهو دليل على التخبط وعدم وضوح الرؤية، والابتعاد عن النهج المبدئي للجماعة، التي تدعو إلى وحدة العمل.
وقد جاء في منهجهم:
“التأكيد على الوحدة، ونبذ التفرق، والسعي لإزالة الخلافات والمشاحنات.”
تحليل الفجوة
حاولت الجماعة أن تمسك العصا من المنتصف؛ فهي لا تريد أن تكون خارج المعادلة، كما أنها لا تريد أن تخسر ما بنته على مدى سنوات. وسعت، ببعض الطرق الالتفافية، إلى الوصول لاتفاقات مع حافظ الأسد من خلال ما سُمّي بـ(مفاوضات يكن – أسد)(1)، وهي مفاوضات قادها الشيخ أمين يكن للبحث عن مخرج يضع حدًّا لدوامة العنف، ويقي البلد مخاطر فتنة لن تكون أبدًا في مصلحة الوطن، حسب ظنهم واعتقادهم بصدق نية حافظ الأسد في ذلك. كان الأمل سرابًا، والمصافحة بداية خديعة؛ فقد غرّر بهم حافظ الأسد، و سمح لبعض القيادات بدخول سورية لكنه استمر بملاحقة و اعتقال الكوادر .
فهي تصف نظام حافظ الأسد بأنه نظام استبدادي، وأن حكمه قمعي ضد الإسلاميين، وأن أهدافه السياسية تتعارض مع أهداف الإسلام. فكيف لها أن تفاوضه بل أن تسمح للقيادات بالعودة لسورية في ظل حكمه.
و هذه كانت إحدى نقاط الخلاف بين القيادة و الطليعة المقاتلة.
حاول الإخوان مسايرة الواقع من تشابك العلاقات ، و استمزاج الرأي الغربي حول الحركات الإسلامية و قدرتها على قيادة سورية ، و الدعم الخفي الذي كان يحظى به حافظ الأسد من أمريكا ، و الظاهر من روسيا.
Ø خاتمة
Ø إن اختلاف القول و الفعل جعل الجماعة في موضع الاتهام ، و أنها فرطت بعناصرها و بنت أحلاماً لهم على الرمال المتحركة ، كما جعل من قيادة الجماعة أنها غير مهتمة بتنفيذ نهجها و السير على مبادئها و العمل على ترسيخ قواعد الإسلام التي حث عليها حسن البنا و سيد قطب و مصطفى السباعي ،و أنها أصبحت تبحث عن أمور دنيوية يصل بها لسدة الحكم أو المشاركة به.
إن الجماعات و الحركات التي تبني مسيرتها على مبادئ غي قابلة للمساومة و التغيير هي التي تستمر و تقوى من خلال عناصرها و أفرادها أما التي تبحث عن مكسب مرحلي بهدف توسيع هذا المكسب لاحقاً فلا دوام لها . الإخوان في الميزان ( الجزء الأول )
مراجع
( 1 ) مبادئ الجماعة : www.ikhwan.wiki
( 2 ) التاريخ السوري المعاصر.
( 3 ) شهادة عدنان عقلة.
( 4 ) كتاب على ثرى دمشق.






