مقدمة
الكرة الأرضية بما تحتويه من ميزات و خصائص ، تتوزع على عديد البلدان ،يكتسب بعضها أهمية كبيرة خاصة إذا ترافقت هذه الميزات مع حضارات بشرية و أوابد تاريخية على امتداد العصور ، رغم أن بعض هذه البلدان لا تحتوي على ثروات باطنية ضخمة تؤهلها لتكون من الدول المتصدرة ، لكن حباها الله موقعاً جغرافياً هاماً ، استطاعت الشعوب التي تعيش بها أن تجعله ذو أهمية على مدار التاريخ..
و هكذا يصبح المكان ليس مجرد مساحة على الأرض بل يتعدى هذا ليكون عنواناً وسمة يتصارع عليها الجميع ، خاصة عندما يتلاقى التاريخ و الجغرافيا، ليصبح الموقع عبارة عن ذاكرة و اهتمام و سعي و هدف و محرك للتاريخ.
إن أهمية أي موقع ليست قدراً حتمياً، بل يكتسب قوته من ساكنيه، فلا يمكن أن يكون مهملاً، تابعاً، يعيش على حساب الأخرين، بل هو من يعطي الأخرين طعماً للحياة و الازدهار.
أن الموقع السوري ليس نقطة على الخريطة فقط بل هو امتداد لحضارات و إمبراطوريات بنت كياناتها و ازدهرت و جعلت الجميع يمد يده لها، فالأشورية والكلدانية و الآرامية ثم الرومانية و الإسلامية لم تكن محطات عابرة، بل كان لها التأثير و الوجود لفترات طويلة ، و من خلالها تواصل الجميع، فطريق الحرير كان يمر فيها، و التجارة البحرية خرجت من أراضيها و دولة الأندلس بنت أوج حضارتها على أيدي أبنائها.
حاول الكثيرون جرها للحروب و السيطرة عليها، أرادوا كسر شوكتها و عنفوانها ،فكان التتار و المغول و كان العثمانيون و الصليبيون، استقبلت النازحون من ديارهم ، احتضنتهم كالأم ، فكانوا عوناً لها و زاداً،
لا يمكن للحديث عن سورية، أن يكون عابراً بكلمات و ترانيم، بل هو حجر الأساس في تشكل المنطقة، ورُب قائلٍ إن من يحكم دمشق يحكم المنطقة.
تتمتع هذه الأراضي بتلاقي الشعوب و الحضارات، نسجت فيما بينها خيوطاً و علاقاتٍ مبنية على الود و السلام، إلا أولئك العابرون للتاريخ ، أصحاب القلوب السوداء، و الأفكار الشيطانية الذين أتوا ليعكروا بنيان هذا الانسجام .
سوريا في طريق الحرير: من المركزية القديمة إلى التهميش المعاصر
في التاريخ القديم، كانت سوريا هي “الميناء البري” الحتمي. أما اليوم، ومع انطلاق مبادرة “الحزام والطريق” الصينية عام 2013، نجد مشهداً مغايراً. لقد اختارت الصين، بدافع البراغماتية الشديدة، الابتعاد عن الساحة السورية في ذروة الصراع والثورة، مفضلةً مسارات أكثر استقراراً. هذا التجنب لم يكن إلغاءً لدور سوريا، بل “تجميداً” له، إن محاولات الالتفاف على الجغرافيا السورية عبر مراكز لوجستية في دبي أو غيرها، ليست إلا دليلاً على أن “التنين الصيني” لا يبحث عن تنمية حقيقية، بل عن مسارات آمنة لاستثماراته، حتى لو كان ذلك على حساب تغييب الدور السوري الريادي. حيث سعت بكين لخلق تشعبات ومسارات بديلة (خطة ب و ج) لضمان تدفق بضائعها بعيداً عن بؤر التوتر، محولةً مراكز مثل “جبل علي” في دبي إلى مستودعات تجميع عملاقة تعوض مؤقتاً الغياب القسري للجسر البري السوري.
يتبع …..





