سورية: صراع الوجود… جدران الصد ( الجزء الثاني )

كنا قد شرحنا في ( الجزء الأول ) عن أهمية الموقع الجيوسياسي السوري و تشعباته، نتابع هنا التحديات.

“الغزو الهادئ” وتوطين التجارة في أوروبا

​بينما بقيت سوريا في حالة انتظار، كان التنين الصيني يغير قواعد اللعبة داخل أوروبا. فمن خلال مراقبتنا للمشهد من بولندا وهولندا، نرى انتشاراً كثيفاً للمواطنين والشركات الصينية التي لم تكتفِ بالتصدير، بل استوطنت اقتصادياً. إن وجود حافلات (BYD) في الشوارع الأوروبية والآليات الثقيلة الصينية يعكس استراتيجية السيطرة على “المتر الأخير” في التجارة. هذا الانتشار البشري والاقتصادي الصيني في قلب القارة العجوز هو المحرك الذي سيعيد الاعتبار للمسار السوري؛ فالحاجة للوصول السريع والآمن من المتوسط إلى هذه القواعد الأوروبية ستجعل من سوريا ضرورة لا غنى عنها في حال تعثرت المسارات الأخرى.

جدران الصد: الفيتو الأمريكي والمشاريع المأزومة

​على الجانب الآخر، تصطدم الطموحات الجيوسياسية بـ “الواقعية السياسية” القاسية. فمشروع “الربط السككي” (إيران-العراق-سوريا) الذي تم الحديث عنه عام 2021 ، أصبح يواجه عقبات كأداة سياسية مرتبطة بمحاور صراع وعنف و قتال  تاريخية، مما يجعله مشروعاً فاقداً للشرعية الدولية والقبول الشعبي. في الوقت ذاته، تبرز استراتيجية واشنطن في “منع الفراغ”، حيث تسعى الاستخبارات الأمريكية لقطع الطريق على تمدد الصين نحو “المياه الدافئة” في المتوسط. بالنسبة لأمريكا، بقاء سوريا خارج منظومة طريق الحرير هو وسيلة لخنق التمدد الاقتصادي لخصومها ومنع تحول الموقع السوري إلى قاعدة انطلاق صينية نحو أوروبا.

تنافس “البوابات”: و سرعة المسارات في ميزان المصالح

​حسب رؤيتنا،  نجد رغبة صينية حثيثة تتلاقى مع رغبة وطنية جامحة في تحويل وارسو إلى “عقدة التوزيع” المركزية في أوروبا الشرقية، مستفيدة من المسار الشمالي. هذه “الأنانية الجيوسياسية” المشروعة تجعل الاهتمام بالمسار السوري ثانوياً، بل ربما يُنظر إليه كمنافس قد يسحب البساط من المسارات البرية الشمالية. إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية أثبتت هشاشة الطريق الشمالي، وأعادت طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يستغني عن “صمام الأمان” السوري الذي يربط الشرق بالمتوسط بعيداً عن تعقيدات السهول المتجمدة في الشمال؟

خاتمة

إن الجغرافيا السورية هي “قدر” لا يمكن إلغاؤه، لكنه قدر يجب أن يُدار بعقول وطنية تدرك مخاطر “التبعات”. إن طريق الحرير الذي نريده هو ذلك الذي يحفظ الكرامة الوطنية والسيادة الاقتصادية، لا ذلك الذي يجعل من بلادنا حلقة في سلسلة من الديون والنفوذ الأجنبي. ستظل الـ “لا” قائمة بوجه كل مشروع لا يضع مصلحة الإنسان السوري وسيادة أرضه فوق حسابات “الحزام” وتوازنات “الطريق”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

النصر …نصر الصابرين 2

https://www.youtube.com/embed/DArMTVlllLw

واهم من يفكر بالانفصال

مداخلة على الإخبارية السورية https://www.youtube.com/embed/J-ZeQhm9aYM

الدول والمنظمات الوظيفية الخدمية

في كل القضايا والعلاقات هناك أطراف عدة قد تكون...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img