بين الصدام والمواربة فلسفات الصراع مع النظام السوري : قراءة بنيوية في ثلاث استراتيجيات للصراع مع النظام الأسدي في سوريا

مقدمة

ليست المسألة في تاريخ الصراع السوري خلافاً بين “أشخاص” أو “تنظيمات”، بل هي صراع بين ثلاث فلسفات مختلفة لإدارة القوة والغضب والاحتجاج داخل مجتمع خاضع لسلطة قمعية.

هذه الفلسفات تجسدت في ثلاثة خطوط رئيسية:

خطّ المواجهة الداخلية المباشرة (الطليعة المقاتلة ممثَّلة بالشيخ مروان حديد)،

خطّ البراغماتية التنظيمية المؤجِّلة للصدام (الإخوان المسلمون)،

وخطّ تصريف طاقة الغضب نحو الخارج مع تحييد الداخل (الشيخ محمود جول أغاسي “أبو القعقاع”).

الاختلاف بينها ليس فقهيًا ولا دعويًا بحتًا، بل اختلاف في فلسفة الفعل السياسي والأخلاقي تحت الاستبداد.

طبعاً نحاول جاهدين تحليل هذه النماذج، ونقارن فيما بينها، دون تبني لإحداها.

أولًا: الطليعة المقاتلة – الصدام كواجب وجودي لا كخطة نصر

اختارت الطليعة المقاتلة نقل الصراع إلى الداخل، واضعة نفسها في الواجهة، ومعتبرة أن العدو المباشر هو بنية الظلم المحلية قبل أي عدو خارجي.، هذا الخيار لم يكن في جوهره مبنياً على حساب واقعي للنصر في ميزان قوى مختل، بل على منطق أخلاقي–وجودي يرى أن الامتناع عن المواجهة تواطؤ معنوي مع القهر، وقبول بحكم طائفي يسوم الناس أبشع حالات الظلم.

هنا يصبح الفعل نفسه قيمة: المواجهة ليست لأنها رابحة، بل لأنها تعبر عن قيم أخلاقية ودينية يراها البعض أنها تُنتهك.

أما سياسياً، هذا المسار غالباً انتحاري في ظل دولة أمنية متغلغلة، لكنه أخلاقياً يمنح القاعدة الاجتماعية رمزاً واضحاً، قائد في الواجهة يدفع الثمن ذاته الذي يدعو الآخرين لتحمّله، لا ينزوي، لا يهرب، لا يُنَظِر.

أحداث حماة لا يمكن اختزالها في تنظيم واحد، لكنها كشفت الفارق بين من يرى المعركة خاسرة فينسحب، ومن يرى الانسحاب خيانة أخلاقية مهما كانت الكلفة.

يقول الشيخ مروان حديد بعد محاولة الإخوان ثنيه عن العمل المسلح: إذا كانت السلطة مجنونة في باطلها فإننا مجانين في حقنا، والله لأقاتلنهم ولو كنت وحدي ولا أقبل إلا بحكم الإسلام أو أموت شهيدًا في سبيل الله

كان منهج الدكتور عبد الستار الزعيم (القائد الثاني للطليعة): يجب أن نبتعد عن فكرة الاغتيال الجماعي لأن هذا يعطي للسلطة فرصة الانتقام من الشعب.

كذلك: إن العناصر النصيرية التي يقوم عليها النظام يجب أن تدخل في دائرة الخطر لتتخلى الطائفة عن دعم نظام حافظ أسد، بل لتفكر في تغييره لأنه أدخلها في دائرة الخطر.

بالمقابل نجد فلسفة أخرى، لها رؤيتها المختلفة على كيفية إدارة الصراع

ثانيًا: الإخوان المسلمون – براغماتية التنظيم وإدارة الصراع لا تفجيره

الخطّ الاخواني الغالب تعامل مع الصدام بوصفه مغامرة خاسرة في ميزان القوة.

اختار الحفاظ على التنظيم والبنية والانتشار الاجتماعي، والرهان على تراكم بطيء وانتظار لحظة أنضج إقليمياً أو داخلياً.

هذا الخيار عقلاني سياسياَ: يقلّل الخسائر الفورية، ويمنع سحق التنظيم مبكراً.

لكن مشكلته البنيوية أنه حين يتحوّل من تكتيك مؤقت إلى فلسفة دائمة، يصبح إدارة خوف لا إدارة تغيير.

في لحظات مفصلية، مثل حماة، بدا هذا الخطّ وكأنه يقدّم سلامة التنظيم على المسؤولية الرمزية تجاه مجتمع يُسحق، مما ترك أثراً أخلاقيًا سلبياً لدى قواعد واسعة شعرت أنها تُركت وحدها في لحظة النار.

البراغماتية هنا ليست خطيئة بذاتها، لكنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية حين تتحوّل إلى انتظار أبدي بلا استراتيجية حقيقية لتغيير ميزان القوة.

جاء في موقع (بوابة الحركات الإسلامية -الشيخ أمين يكن): حصل خلافٌ بين المراقب العام عصام العطّار الذي يعيش في ألمانيا ونائبه أمين يكن الموجود في حلب حول الفكرة التي طرحها الشيخ مروان حديد وقبِلها العطّار وهي موضوع مشاركة التنظيم السوري في معسكرات فتح الفدائية في الأردن والتي رفضها أمين يكن جملةً وتفصيلاً.

-يقول علي صدر الدين البيانوني أن “الإخوان قد استجابوا لهذه المبادرة، (التي عمل عليها الشيخ أمين يكن وحافظ الأسد) وأبدوا استعدادهم للحوار وبدأت الإفراجات فعلاً، وتحدّث الرئيس حافظ الأسد في 8 مارس، ووصف جماعة الإخوان المسلمين أنها جماعة صالحة وطنية، وأن قلّة قليلة حملت السلاح وبدأت الإفراجات فعلاً، لكن فجأةً توقفت في منتصف شهر مارس عام 1980م وبدأت اعتقالات من جديد، وبدأ تمشيط المدن ومحاصرتها من جديد فتوقفت هذه المبادرة، إذ كان ثمة رجال نافذون في بنية النظام ينظرون بريبة إلى جهود أمين،

ثالثًا: أبو القعقاع – تصريف الغضب للخارج وتحييد الداخل

مثّل أبو القعقاع نمطاً مختلفاً جذرياً: خطاب تعبوي حاد ضد “العدو الخارجي” مع تحييد شبه كامل للصراع الداخلي.

هذا المسار لا يواجه بنية القهر التي يعيشها الناس يومياً، بل يعيد توجيه الغضب إلى ساحة بعيدة، ما يؤدي عملياً إلى تفريغ الضغط عن الداخل، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً سياسياً، ويجعل الداخل يعيش بمأمن نسبياً، لأن لديه القدرة على تحييد هذا الغضب عن عودته للداخل.

إن تحويل الغضب للخارج، هو عملية الإبقاء على الفكرة وتعزيزها، وقد يتمكن من تنفيذها ونقلها للداخل إن سمحت الظروف تغيير المظهر والخطاب والأسلوب لم يكن تحوّلاً فكرياً بقدر ما كان إدارة بقاء ضمن هامش مسموح أمنياً؛ والحفاظ على الوجود بلبوس أخر، محاولة لخفض الاستهداف وإطالة زمن الحركة في مساحة رمادية، هذه المساحة ربما حسب الاعتقاد أنها تتحول في مرحلة ما.

هذا المسار قد يطيل عمر الفاعل، لكنه لا ينتج مشروع تغيير داخلي، ويضع صاحبه في موقع هشّ: لا ثقة كاملة من السلطة، ولا ثقة من التيارات الراديكالية (المتشددة)، ولا حماية تنظيمية (لعدم وجود تنظيم بالأصل).

لذلك يصبح الفاعل في هذه المنطقة الرمادية قابلاً للإزاحة والإنهاء حين تتغير التوازنات، مهما حاول تخفيف حدّة حضوره أو تغيير جلده.

يقول في خطبة له (حينما تمحى ذاكرة الأمم): إن الذي يقبل أن يرى مشاهد الصغار الشهداء ومنظر الصغار المجاهدون يراهم على ارض فلسطين منهم من يجاهد ومنهم من يستشهد ثم هو يقعد على شاشات الأعلام ينظر في قنوات الدعارة والفسق او يخرج يسلي نفسه واهل بيته على المحلقات بالهواء العليل، إن مثل هذا ليس منا.

رابعًا: السبب البنيوي للاختلاف – قراءة واحدة لميزان القوة، وأجوبة مختلفة

المفارقة أن الخطوط الثلاثة انطلقت من تشخيص واحد: ميزان قوى مختل لصالح السلطة.

لكن السؤال الذي طرح نفسه بقوة، وبدا أنه الشغل الشاغل لم يكن: “هل ميزان القوة مختل؟” بل: ماذا نفعل حين يكون مختلًا؟

الطليعة المقاتلة أجابت: نواجه لأن المعنى الأخلاقي والديني والوجود أهم من النتيجة.

الإخوان أجابوا: نؤجّل الصدام لأن البقاء التنظيمي شرط لأي تغيير لاحق، بل علينا تحويل هذا الصدام لمصلحتنا من خلال التعبئة الشعبية، والعلاقات العابرة للحدود، والقوى المعادية للدولة.

أبو القعقاع أجاب: نُحوّل الصراع إلى الخارج ونُحيّد الداخل حفاظًا على هامش الحركة والبقاء الفردي، لكن هذا التحويل أفرغ الطاقات البشرية والدعوية في غير مكانها، بل جعلها مستهدفة، وهي بلا حول ولا قوة لها.

الاختلاف إذن ليس في الواقع، بل في تعريف المسؤولية تحت القهر:

هل المسؤولية هي المواجهة مهما كانت خاسرة؟

أم حماية البنية والوجود والتنظيم بانتظار فرصة، ربما تكون مواتية؟

أم حماية الذات وإعادة توجيه الغضب بعيدًا عن مركز القهر، والسلامة بتغيير الجلد؟

هذه الخطوط الثلاثة لم تظهر عشوائياً، بل كانت نتيجة لظروف اجتماعية – دينية – أخلاقية- أمنية، كذلك اختلاف الفترات الزمنية بين بعضها.

خامسًا: المقارنة الأخلاقية والسياسية للنتائج

مسار الصدام الداخلي قصير زمنياً، عالي الكلفة، وقد يكون خاسراً عسكرياً، لكنه ينتج أثًراً رمزياً عميقاً لأن القائد يدفع ثمن خطابه.

مسار البراغماتية طويل النفس، أقل كلفة مباشرة، لكنه مهدد بالتحوّل إلى إدارة خوف مزمنة إذا لم يُنتج أدوات فعل تغيّر ميزان القوة، وهذا ما كلف التنظيم، عدم وابتعاد، وفرقة، وانقسام.

مسار تصريف الغضب للخارج قد يكون الأسهل والأطول عمراً للفاعل الفردي، غير المنظم، لكنه خاسر أخلاقياً لأنه لا يخفّف الظلم الداخلي، بل يزيحه عن مركزه الحقيقي، ويجعله ثانوياً، على حساب الألم الخارجي، وقد يشكا نموذجاً لخسارة كبيرة.

المعيار الفاصل ليس بنقاء وصفاء النية، بل الأثر الواقعي على تخفيف القهر عن الناس:

هل الخيار يغيّر واقعهم ولو ببطء؟ أم يخفّف فقط كلفة الموقف على من يتبنّاه؟

خاتمة

الصراع مع السلطة في السياق السوري لم يكن بين “متديّن” و“علماني”، ولا بين “سلفي” و“إخواني”، بل بين ثلاث فلسفات للفعل تحت القهر:

فلسفة المواجهة التي تقدّم المعنى على الحسابات، وتعرف سلفاً أنها في مرحلة تهدد الوجود.

وفلسفة البراغماتية التي تقدّم البقاء على البطولة، وسلامة التنظيم على هدمه، فلا بد من المهادنة، بل والتسوية في بعض الحالات.

وعلينا معرفة أن جماعة الإخوان المسلمين، تغير سلوكها وعملها خلال فترات متباعدة، كما اختلفت رؤيتها، وارتباطاتها.

وفلسفة تصريف الغضب التي تقدّم سلامة الفاعل على مواجهة مركز الظلم.

بالمقابل كان ظهور أبو القعقاع، في زمن كانت الأمة العربية والإسلامية تحت تهديد النار، وكان العراق يذبح بافتراءات غربية.

لكن الخط الفاصل أخلاقياً وسياسياً يبقى سؤالًا واحدًا:

هل خيارك يخفّف القهر عن الناس فعلاً، أم يخفّف فقط كلفة موقفك أنت؟

هنا فقط تُقاس القيمة الحقيقية لأي “مدرسة” أو “خطّ” في مواجهة الاستبداد.

بل هل كان عملك أو خطك، مقدمة لخراب ما، أم شمعة في ظلام دامس، أم بذرة للخلاص؟.

بالطبع تقدير الموقف يكون صعباً، وتظهر نتائجه مستقبلاً، فليس كل الخيارات سلبية، أو إيجابية، وإلا كان اتباعُها، انفضوا من حولها، وتنصلوا من أفعالها.

عند تحديد الخيارات لا بد من موقف في النهاية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

التحالف السوري التركي ……..مسودة ورقة العمل السياسية

مسودة ورقة العمل  السياسية  التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الاوسط منذ بدايات...

سورية: صراع الوجود… جدران الصد ( الجزء الثاني )

كنا قد شرحنا في ( الجزء الأول ) عن أهمية الموقع...

رباه قد ضج الألم

المنشد :منذر السرميني ( أبو الجود ) https://www.youtube.com/embed/uA2HHSP-Pr0

تجارة ايران وحزب الله الرابحة

 إن حزب الله اللبناني، حزب عسكري سياسي ويجمع كل...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img