حين يُطلب من الجرح أن يبتسم

تتكرر علينا مشاهد ومواقف متنوعة، قد يرافقها تعليلات وتبريرات أقل ما يقال عنها أنها عبارة عن ذر للرماد في العيون، والتسامح صفة محببة تدل عن قلوب بيضاء نقية، لا يهمها الانتقام، بل العفو، لكن عندما يتعالى البعض على جراح الأخرين وإلقاء مواعظ التسامح ونسيان الماضي على من لم يُنصف، وطي صفحة الألام، فذلك ليس تسامحاً، بل هو تدليس وبهتان وتغاضٍ عن حق المظلوم، إن الدعوة لبناء مجتمع دون ضغائن، لا تكون بإلغاء الذاكرة، بل بالاعتراف بالجرح أولًا.

التسامح مع القوة محمود، والعفو الصادر عن أصحاب الألم أعظم وأجلّ، أما أن يُطلب من المتألمين النسيان والعفو ممن لم يذق مرارة الألم، فتلك مصيبة وطامة كبرى.

قال الله تعالىقَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: 52] — فالله لا ينسى، فكيف يُطلب من الإنسان أن ينسى ما لم يُعالج؟

إن المتأمل بالخطاب السائد والقارئ لكل ما يطرح من رغبة البعض بجعل النسيان، يتحول لخطاب مهيمن وأداة بيد الظالمين.

عندها يتأرجح النسيان بين كونه أمر رباني زرعه في عقل الإنسان وقلبه، وبين أن يفرض عليه بدعوى ترغيب أو ترهيب، هذا الترغيب يتم عرضه من خلال فكرة العفو والتسامح، وأن الله هو المنتقم الجبار، إن لم يحصل الفرد على حقه في الدنيا فله نصيبه في الأخرة، أما الترهيب فيمارس عبر العقوبة والحق العام، وسن القوانين التي تمنع حصوله على حقه، فيتحول النسيان لأداة ووسيلة لإسكات الألم لا لعلاجه ومداواته.

يلتف أولئك الأفراد بطرق غريبة فيربطون التسامح بالنسيان، فالتسامح نوعان، صادر من الفرد نفسه عن رغبة وقناعة ومتعلقاً قلبه بالله، تاركاً لجرحه أن يندمل مع الزمن ويكون تسامحاً نبيلاً، أو ان يجبر على تسامح يشعل النيران بداخله، مدفوعاً له برغبة خارجية ضاغطة.

حين يوظف بعض العلماء فقه النسيان ليجعلوا المجتمع نقياً طاهراً حسب اعتقادهم، والإتيان بأمثلة قرآنية عن منزلة المتسامح واستخدام العامل النفسي الديني في غير مكانه، هو حرف الدين عن منهجه بتحقيق العدالة والاقتصاص من الظالم. يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)سورة البقرة:178

إن من أوجب الواجب فتح باب القصاص منعاً لتجاوز الحقوق والتعدي على الحرمات والأنفس.

جاء في كتاب (اليسر والسماحة في الإسلام) لمؤلفه فالح بن محمد الصغير (الاستكراه فهو أمر خارج عن إرادة الإنسان، لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل ما قد يتعرض له من أذىً، أو ضررٍ، أو تهديدٍ بالقتل، أو قطع عضو وغيره، فحينها رخص له الشارع أن يتنازل عن بعض مفاهيمه الدينية تخلصًا من الحال التي يعانيها، والعذاب الواقع عليه كما حصل لعمار بن ياسر رضي الله عنهما،).

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

قناة اليوم – الملف السوري

الملف السوري : النظام يبادل جثة ضابط إيراني بعشرات المعتقلين...

تراتيل على أسوار تدمر ( 2 ) -يحيى البشيري

 الترتيل الثاني التحقيق                ...

رسالة إلى الدكتور “عبد الله المشوخي”.. رداً على رسالته

ربما لن تقرأ رسالتي وربما كذلك لن تصلك من...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img