نتابع في هذه السلسلة ما بدأناه في الأجزاء السابقة 1 – 2 – 3 – 4
قد تبدو السياسة أكثر إثارة من الاقتصاد، إن التاريخ يقول إن الدولة التي لا تستطيع إنتاج مواردها ستظل تبحث عن القوة خارجها، وسورية تحتاج إلى إعادة بناء هائلة.
لكن إعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وطرق ومطارات، إعادة الإعمار الحقيقية هي إعادة إنتاج القدرة على العمل والإنتاج. والطريق الذي يصل المدن ببعضها مهم، لكن المؤسسة التي تحمي العقد أهم.
والاستثمار مهم، لكن القضاء الذي يحمي الاستثمار أهم.
والمساعدات مهمة، لكن الاقتصاد الذي يستطيع الاستغناء التدريجي عنها أهم.
ولهذا فإن الاقتصاد السوري سيكون خلال السنوات القادمة أحد المحددات الأساسية للسياسة، وليس مجرد نتيجة لها.
فالفقر الطويل ينتج توترًا، والبطالة تنتج قابلية للاحتجاج، والاقتصاد الهش يجعل الدولة أكثر اعتمادًا على الخارج.
والاعتماد على الخارج يضعف استقلال القرار، وهكذا يعود الاقتصاد مرة أخرى إلى السياسة.
هناك ملايين السوريين خارج البلاد، لكن القضية ليست فقط كم منهم سيعود؟
إلى أي سورية سيعودون؟
فالسوري الذي غادر قبل سنوات لن يعود بالضرورة إلى سورية التي تركها، والجيل الذي نشأ خارج البلاد يحمل تجارب وأفكاراً وعلاقات مختلفة، وتهيئته يحتاج لعملية موازنة تعليمية فكرية، فهؤلاء من خلال المجتمع الذي تربوا به، وما يحمله من عادات وأفكار يحتاجون لفهم هذا الاختلاف،
والكفاءات التي بنت حياتها في الخارج لن تعود لمجرد أن الحدود أصبحت مفتوحة، هي ستعود عندما ترى دولة قادرة على توفير الأمن، والقانون، والعمل، والمستقبل.
ولهذا فإن عودة السوريين ستكون اختبارًا للدولة أكثر مما ستكون اختبارًا للسوريين أنفسهم.
إذا استطاعت الدولة أن تجعل العودة فرصة لإعادة بناء المجتمع، فستتحول الهجرة السابقة من خسارة إلى مورد بشري هائل.
أما إذا عجزت عن ذلك، فقد يبقى جزء كبير من السوريين خارج البلاد، حتى لو انتهت أسباب اللجوء الأولى.
إن إعادة إنتاج القدرة الاقتصادية لها أولويات واضحة لا يمكن تجاوزها، أولها القضاء الذي يحمي العقود ويعيد الملكية لأصحابها، وثانيها إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل، وثالثها تحويل المساعدات والتحويلات إلى استثمارات منتجة لا إلى اعتماد مزمن.
أما عودة الكفاءات ورأس المال، فليست مسألة فتح حدود فقط. هي مشروطة بتوفر ثلاثة عناصر- أمن الملكية، استقرار نقدي نسبي، وضمانات قانونية حقيقية.
المؤشرات التي يمكن مراقبتها مبكرًا تشمل، نسبة التحويلات التي تتحول إلى استثمار محلي، وحجم الكفاءات التي تعود وتبقى، وقدرة الموازنة العامة على تمويل جزء متزايد من نفقاتها من مواردها الذاتية.
وهنا نصل إلى السؤال النهائي: إذا اجتمعت القوة والدولة والهوية والاقتصاد والخارج، فأي طريق ستسلك سورية؟
وقد تحدثنا في مقال سابق لنا عن الحاضنات لإنتاجية
حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.
كل مقالات الكاتب ←

