لا سيادة بلا دولة، ولا دولة بلا شعب (الجزء الرابع)

نتابع في هذه السلسلة ما بدأناه في الأجزاء الثلاث السابقة 1 – 2 – 3

لم تكن سورية قبل الثورة مجرد قوة أمنية داخلية فقط، بل عبارة عن توازن لقوى خارجية، وكانت نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متشابكة.

بناء الدولة السورية الحديثة يحتاج للموازنة، والقدرة على فرض رؤيتها ونظامها بمعزل عن الأخرين، فقد كانت رقعة وساحة للتنافس، على حساب مصالح الدولة السورية.

والاعتقاد أن انتهاء هذا النظام وانتصار الثورة، سيؤدي تلقائيًا إلى انتهاء التدخل الخارجي، خطأ كبير، وندرك جيداً أن الذي سيتغير قد يكون هو شكل التدخل.

فالقوة الخارجية لا تحتاج دائمًا إلى جيش داخل الدولة حتى تؤثر فيها، يمكن أن تدخل عبر الاقتصاد، عبر الأمن، عبر الحدود، وعبر الاستثمار، وعبر العلاقات السياسية، عبر شبكات المصالح.

ولهذا فإن استقلال القرار السوري في السنوات المقبلة لن يقاس بعدد البيانات التي تؤكد السيادة، بل سيُقاس بقدرة الدولة على إدارة مصالح القوى الخارجية دون أن تتحول مصالح تلك القوى إلى محدد لبنيتها الداخلية.

ولن يكون عليها فقط إغلاق باب واحد من أبواب النفوذ، بل يجب عليها بناء مؤسسات تجعل أي نفوذ خارجي أقل قدرة على تحويل الداخل السوري إلى ساحة له، فالمشكلة ليست في وجود مصالح دولية وإقليمية في سورية، المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه المصالح أقوى من مؤسسات الدولة.

ويظهر بوضوح الفرق بين الدولة التي تتعامل مع الخارج، والدولة التي تتأثر بالقوى الخارجية التي تصيغ بنيانها.

ومن الخطأ التعامل مع التدخل الإيراني باعتباره ظاهرة تختفي بمجرد تغير السلطة. فعندما يتجذر، لا يكون مجرد وجود عسكري، بل متعدد الوجوه، قد يكون شبكة علاقات، أو مصالح، أو أدوات اقتصادية، أو امتدادات اجتماعية، أو معرفة دقيقة بمفاصل الدولة والمجتمع، والأخطر الوجه العقدي.

حدود الدول لا تعترف بالتغيرات السياسية التي تحدث داخلها، لأن الجغرافيا لا تتغير.

ولهذا فإن مستقبل العلاقات لن تحدده فقط المواقف السياسية، بل طبيعة الدولة السورية التي ستتكون، وتشابكاتها.

الدولة القادرة على ضبط أراضيها وقرارها العسكري ستكون مختلفة في معادلة الأمن الإقليمي عن دولة متعددة مراكز القوة.

ومن هنا يصبح بناء الدولة السورية، في حد ذاته، جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.

والعامل الخارجي واسع الطيف. تركيا والولايات المتحدة وروسيا ودول الخليج تملك أدوات تأثير مختلفة، حدود مفتوحة، وجود عسكري، استثمارات، نفوذ سياسي، وشبكات اقتصادية.
استقلال القرار لا يعني قطع هذه العلاقات، بل ترتيب أولوياتها وفرض قواعد واضحة عليها. وتبقى قادرة على تنويع شراكاتها، واحتكار قرارها الأمني، وفرض شفافية على العقود الكبرى.
ولنسأل هل بدأت الدولة تضع شروطًا حقيقية على الاستثمارات الخارجية؟ وهل قلّ اعتمادها على جهة واحدة في الملفات الأمنية والاقتصادية؟ فكلما نجحت في ذلك، ضعفت قدرة الخارج على إعادة تشكيل بنيتها الداخلية.

وهذا ما نلاحظه بشكل كبير، فهي لم تقطع علاقاتها مع روسيا حليف النظام، بل قام الرئيس الشرع ووزير خارجيته بزيارتها عدة مرات، وتم الاتفاق بينهما على تسوية موضوعي مطار حميميم و القاعدة البحرية في طرطوس، يضاف الموقف من لبنان وقوة العلاقة معه.

لكن يبقى الموقف الصيني هو المحير، فرغم الحديث عن علاقات اقتصادية مشتركة، وبناء تشاركية جديدة لم تظهر نتائجها حتى الآن.

بالمقابل يبقى مستغرباً لدى عديد الدول الموقف الأمريكي ودعمه لسورية بهذا الشكل القوي، فهل تحاول أمريكا جعل سورية ساحة لها؟ أم لتغلق الطريق على روسيا في المنطقة؟ أم طريقاً جديداً لإمدادات الطاقة؟

ويقودنا التساؤل لماذا موقف مصر مختلف عن الجميع ولماذا تُظهر عداءها للحكومة السورية ورئيسها بدعوات كاذبة، و تضع محددات و شروط على الدولة السورية تطبيقها، و تريد فرض رؤيتها و أجندتها، لكن عندما استشعرت أهمية سورية عالمياً و الدعم المتزايد لها، بدأ موقفها يلين بحثاً عن مصالح اقتصادية لها في سورية؟.

هذ المواقف المتسلسلة معلنة بشكل واضح عبر تصريحات إعلامية و دبلوماسية.

تبقى الدول التي كانت داعمة للكتل الثورية سابقاً هي الفاعلة مع الحكومة السورية، من خلال استثمارات اقتصادية، دعم دبلوماسي، تدريب إداري، مواقف سياسية.

لكن الدولة لا تستطيع أن تبني سيادتها من دون قاعدة داخلية، والقاعدة الداخلية لا تُبنى بالسياسة وحدها، هناك قوة أخرى ستقرر إلى حد بعيد قدرة الدولة على البقاء.

هي صوت الشعب و مدى ثقته بعمل الحكومة، و السير معها للبناء و التضحية من أجل مستقبل سورية، و حرصها على كرامته، و تحقيق أمانيه.

حسام الدين نجار
عن الكاتبحسام الدين نجار

حسام الدين نجار | Hussam Eddin Najjar صحفي ومحلل سياسي سوري مقيم في بولندا. متخصص في تفكيك بنى القوة ومراكز القرار في الشأن السوري والجيوسياسي الإقليمي عبر مرصد "زوايا حادة" للتحليل الاستراتيجي.

كل مقالات الكاتب ←

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

الجيل السوري الجديد و البناء : متلازمة السياسة و الاقتصاد (الجزء الخامس )

إذا اجتمعت القوة والدولة والهوية والاقتصاد والخارج، فأي طريق ستسلك سورية؟ شاركونا أراءكم

الفرق في الإسلام – القدرية

القدرية… كيف بدأت قضية القدر؟ بعد أن تحدثنا في الحلقة...

نقل العاصمة إلى حلب؟ أوهام إسرائيلية تصطدم بجغرافيا الردع السوري

أوهام "نقل العاصمة" وخرائط الهيمنة: قراءة في أبعاد التصعيد...

سورية بين الأصل و الفرع: نحو عقد سياسي جديد (الجزء الثالث)

نتابع ما بدأناه في الجزء الأول و الثاني لقد عانت...

ذات الصلة

مواقيت الصلاة
الصلاة القادمة…
    الطقس الآن
    --°
    خريطة الطقس في سوريا
    اضغط على أي مدينة لعرض مواقيتها وطقسها

    التصنيفات