يحكى أن رجلا رغب في أكل السمك فذهب إلى سوق السمك وأمسك بسمكة وأخذ يشمها من ذيلها ليتأكد من عدم فسادها فقال له أحد المتسوقين شمَّها من رأسها ففساد السمك يبدأ من الرأس.
قال الرجل: صدقت وأنا أعرف أن رأس هذه السمكة قد فسد لكن أحببت أن أعرف: هل وصل الفساد إلى ذيلها أو لا؟
نعم الأمم والشعوب مثل السمك يبدأ الفساد من الرأس ثم ينتشر في باقي الجسد .
القرآن الكريم أشار إلى حقيقة مهمة هي أن غياب المساءلة يؤدي إلى الفساد والبغي : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ومثلها في الدلالة قوله: ( كلا إن الإنسان ليطغى. أن رأه استغنى ).
إن امتلاك السلطة والقوة والتفوق في أي مجال مدعاة إلى تجاوز الحدود وإلى الطغيان والتغول ما لم تكن هناك جهة تراقب وتساءل وتحاسب.
العالم كله عانى طويلا وما زال يعاني من الفساد المالي والإداري لكن الفساد درجات عدة وهناك فرق بين من يوظف أحد أقربائه في عمل عام دون أن يكون جديرا به وبين من يكون لديه عشرة آلاف موظف وهمي يقبض مرتباتهم بالتعاون مع بعض الفاسدين دون أن يكون لهم أي وجود سوى الوجود على الورق!
القرآن الكريم عاتب النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اجتهاداته( النبي تلا آيات العتاب على الناس مما يدل على أنه نبي الله حقا وصدقا) ليرسخ في المجتمع المسلم حقيقة مهمة هي أنه لا يجوز أن يكون فيه أي شخص فوق المساءلة والمؤاخذة لأن هذا يعني تحوله – وقد يكون في ذاته غير فاسد- إلى قبة يجتمع تحتها الفاسدون والمفسدون وهذا هو الذي رأيناه ونراه في الدول المستبدة التي حُرمت شعوبها من نعمة حرية الإعلام والشورى التمثيلية والتداول الشفاف على السلطة ووجود هيئات رقابية فعالة.
الحكام المترفون يتفنون في إهدار أموال الدولة والتمتع بها وشبابنا يموتوت غرقا في البحار باحثين عن بلد يهاجرون إليه!
خيرات بلاد المسلمين ليست قليلة ولكن الخير في زعماء بلادهم قليل وهذا بسبب خضوعنا للظلمة وعدم اهتمام معظمنا بإصلاح الشأن العام وهذا منذر بهلاك عام ) فلما نسوا ما ذُكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) .
الناجون من العذاب هم المصلحون الذين يقفون في وجه الظلم والفساد والاستبداد ولايكمل صلاح المسلم إلا إذا كان له حظ من المشاركة في الإصلاح.
والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
د.عبدالكريم بكار





