مقال موسع ….التغول الإيراني في سورية

إن الثورة السورية حملت  في طياتها الكثير فتحولت من ثورة حرية وكرامة ضد الإستبداد والطغاة إلى قضية دولية شائكة متعددة الجوانب بدءاً من التدخل العسكري مروراً بالعقدي وصولاً لمراكز القوى  العالمية ، وتدخلت القوى الكبرى والإقليمية والكل يبحث عن موطئ قدم  أو على الأقل كي ينال من الكعكة شيئاً ما يستخدمه كتحلية بعد الغذاء أو العشاء .

وكان للتدخل الإيراني تشعبات عديدة فلم يقتصر دورها على العسكري بل تعداه إلى نواحي كثيرة من الممكن أن نجملها بالآتي :

1-    التدخل والتواجد العسكري والأمني .

2-    التدخل والتواجد البشري والعقدي ( العقائدي ) .

3-    التدخل والتواجد الإقتصادي والإقتصاد الموازي .

4-     التدخل والتواجد السياسي والإعلامي .

v   لنبدأ ببحث تلك النقاط تدريجياً بشيء من التفصيل ولكن ربما يغفل عنا بعض التفاصيل غير الضرورية من وجهة نظرنا .

1)     التدخل والتواجد العسكري والأمني  :

بات واضحاً للجميع ان القوات الإيرانية الرسمية وغير الرسمية تعمل على الأرض السورية بكثافة عالية  وأصبح قاسم سليماني  هو القائد المحرك لكل التنظيمات و المجموعات التابعة لإيران في سورية  وعمل سليماني على تشكيل ميليشيات سورية  أصبحت تقاتل إلى جانب قواته وكان لها تأثيراً دموياً أكثر من باقي الميلشيات نظراُ لمعرفتها طبيعة المنطقة والتوزيع الطائفي و إختلاطها بباقي أفراد الشعب  و قام سليماني بإستغلال العناصر الشيعية المتواجدة داخل الأجهزة الأمنية بشكل رهيب فأصبح يعرف التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة في كل مناحي الأمن السوري ورغم اهتمام الإيراني بكامل سورية إلا أنه ركز معظمه على بعض المناطق على حساب الأخرى  فقام الإيراني بتوزيع قواته عسكرياً في نقاط ذات أهمية استراتيجية حساسية يستطيع من خلالها السيطرة على مفاصل سورية  فكان تواجد قواته في مطار دمشق الدول وباقي المناطق التي تحيط بدمشق وكذلك على الحدود السورية الفلسطينية والسورية الأردنية والسورية اللبنانية  ،  ووصلت تلك القوات لعمق سورية  ، إلى مناطق حماة  وأطراف إدلب وإلى مجمل حلب واستطاع من خلال خلاياه النائمة من بناء ترسانات من الأسلحة و الأنفاق المحصنة تحصيناً عالياً  ( كفريا والفوعة ) ، (نبل والزهراء ) ، ( قريتي المزرعة والرقة في حمص ) ، واستطاع الإيراني  الوصول إلى دير الزور و زرع قوات عسكرية هناك ، لكن أهم تلك التحركات كان في الجنوب السوري حيث الإسرائيلي متواجد هناك فقط وفقط عليه أن يتوقف فلا يمكن السماح له بتواجد قواته الرسمية والرديفة  ليس من صراع بينهما وليس من اختلاف كذلك ولكن توزيع القوى ، فقد اختلفت اسرائيل و روسيا بعد تسليم درعا على وجود القوات الإيرانية في تلك المنطقة سواء على الحدود مع الأردن أو مع فلسطين المحتلة في الجولان السوري وكان لابد من استغلال كل طرف لتلك الحجة ، فاسرائيل لا مانع لديها من تواجد الإيراني في الداخل السوري لكنها ترفضه على ما يسمى حدودها أو قريباً من حدودها وبدأت المفاوضات  بإبعادها للداخل السوري بمسافة 30 كم شمال الحدود الأردنية و 150 كم شرق الحدود العراقية السورية مكان تواجد القوات الأمريكية والبريطانية في البادية السورية لأن الإيراني كان يريد فتح طريقاً واصلاً من ايران للمياه الدافئة السورية عن طريق العراق  وبالتالي يستطيع من خلال قطع سورية عرضياً ومنع  تواصل الشمال السني التركي بالمنطقة العربية السنية  ، كذلك إبعاد القوات الإيرانية من منطقة الجولان  لأن هذا يؤثر على الإسرائيليون  لكن لا يشكل تهديداً عسكرياً  لها .

استطاع الإيران وبمعاونة النظام السوري حل مشكلة إبعاد القوات الإيرانية والتابعة لها عن الحدود بدمج عناصر تلك القوات بجيش النظام بحيث قاموا بارتداء لباس هذا الجيش وضمن تشكيلاته  لكن بالوقت نفسه لم تنطلِ على الإسرائيلي 

ومن خلال إدعاءات أمريكية اسرائيلية أنهم يريدون إخراج الإيراني من سورية قاموا بها إعلامياً وعسكرياً  فهم الجميع أن هذا سيحصل فعلاً ، فعمد الطيران الإسرائيلي وبمرات عديدة بقصف أهداف إيرانية و الميليشيات التابعة لها  داخل الأراضي السورية  ولتجمعات تلك القوات  بالطبع الإسرائيلي لا يهدف من تلك الضربات للقضاء على الإيراني في سورية وإنما تقليم أظافره وإرجاعه لحدوده المرسومة له لذلك نجد ان تلك الضربات ليست قاتلة وإنما تحذيرية  ، فليس غريباً على الإسرائيلي معرفة أماكن تجمع تلك القوات  ورغم ذلك فقد حصل على إحدائيات من روسية التي بنفس الوقت ليس من مصلحتها وجود تلك القوة الإيرانية في سورية .

أمنياً لعب الإيراني  على الوتر المادي العقدي  فاستطاع تجييش طائفته التي تتبعه إتباع الأعمى فسيطر على مفاصل أمنية كثيرة ووضع نقاط لعناصره تتحكم بالحياة اليومية للمواطنين وقام بزرع عناصر إضافية في أماكن غير متوقعة  حتى في الحاضنة الطائفية للنظام والهدف الأساسي إحتواء كل ما يستطيع فغدت عناصره تقوم بتنفيذ الإغتيالات  وجمع الأتاوات وبث الشائعات كي تكسب الحاضنة العلوية أكثر رغم ما بينهما من عداء طويل .

2)     التدخل والتواجد البشري والعقدي ( العقائدي ) .

سعت إيران جاهدة منذ تولي حافظ الأسد لتعزيز وجودها البشري والعقدي في سورية لكنها كانت تصطدم بعقبات حتى جاءت الحرب العراقية الإيرانية وموقف حافظ الأسد المنحاز لإيران والذي جر معه نفتت بالعقد العربي وسمح لإيران ببداية التغلغل لكنه بقي في حدوده الدنيا ، فاقتصر على الرحلات السياحية للأماكن المقدسة ( كما يقال ) وكذلك بعض الدعم المادي هنا أو هناك ، ومع تأسيس حركة أمل في لبنان ثم حزب الله تعاظم دور إيران في المنطقة لإعتمادها على الشيعة العرب  وبعد وصول الوريث غير الشرعي لحكم سورية ودعمه لحزب الله امتدت أيادي ايران أكثر لتصل لسورية  وساعد على هذا تمثيلية حرب تموز التي استطاع حزب الله من خلالها اكتساب محبة الشعب السوري  فأصبح لدى هذا الشعب رغبة بمعرفة  قوة إصرار وإبمان هذا الحزب ( بالطبع كلها في سياق التغلغل ) ، فبنى هذا الحزب اللبنة الأولى بعدم نفور الشعب السوري من الطائفة الشيعية  فكانت نقطة الأساس .

استفادت ايران من ذلك بالعطاءات المالية و الإجتماعية  واستطاعت اختراق النسيج السوري فبنت الحسينيات وزوجت الفقراء على طريقتها وجلبت عناصرها ليقيموا بمنازل المهجرين ووجهت بمعرفة من النظام وحكومته برفع أذانها الشيعي قي المساجد ، وقام عناصر المتواجدون داخل النظام السوري باستصدار قرارات كثيرة الغاية منها توطين عناصرها وكل التابعين لها بسورية واعطاؤهم الجنسية السورية فبدأوا ب 40 عنصر محاولين توطينهم بريف السويداء  ثم ألحقوا ذلك بالإستيطان بحيي الأمين والعمارة بدمشق  و سرقوا أحياء جديدة في حمص ( البياضة ودير بعلبة ووادي ايران ) ، ( القصير – تلكلخ – القريتين ) وتجمعت عناصرهم بدير الزور وبأحياء حلب بعد خروجهم من قراهم وخير دليل على هذا ما قاله رأس النظام : أن سورية لمن يدافع عنها لا لمن يولد بها  .

استطاعت ايران خلال عام 2018 و من خلال النظام السوري اصدار قرارات حكومية  ( المرسوم رقم 10 – منح الجنسية – التوطين  – التهجير ) أن تمتلك العنصر البشري اللازم لها لتغيير ديمغرافية البلد وكذلك عقيدته وهي تعمل من خلال المؤسسة الدينية السورية وكذلك بمعزل عنها  بمعنى ان تكون لديها الحضور الرسمي والحضور الرديف ففي حال زوال أحدهما يبقى الأخر وأصبح تدريس النهج الشيعي الطائفي في سورية ظاهراً للعيان لا يستطيع أحد إنكاره أو التصدي له فهو يمتلك القوة الداعمة أمنياً وعسكرياً ومالياً وقامت من خلاله إيران بتكوين حزب لها سمي بحزب الله السوري على النمط اللبناني دخل ضمن النسيج السوري وخاصة في المناطق الساحلية يعتمد على القوة الناعمة تارة وعلى الصدام تارة أخرى .

3)     التدخل والتواجد الإقتصادي والإقتصاد الموازي .

عملت إيران من خلال هذا المنحى على الدخول والتغليغل في سورية قبل الثورة ومنذ بداية استيلاء الوريث غير الشرعي على سورية  فعملت على بناء مصانع تجميع السيارات  ومصانع الإسمنت والتعاون مع شركاء وصوليين سوريين بتاسيس قاعدة إقتصادية متينة لها ساعدها في ذلك قرارات حكومة النظام ، إزدادت هذه المشاريع مع إزياد تدخلها في الشأن السوري ولحاجتها الماسة للأموال لتمويل عناصرها وميليشياتها فقد ذكر أحد التقارير أنها تقوم بإرسال ما يقارب 5 مليار دولار شهرياً لسورية عبر رحلات طيران نظامية كانت تستغل هذه الأموال بشراء العقارات في مختلف المناطق عن طريق وسطاء إزدادت وتيرة هذا العمل عام 2018 بعد عمليات التهجير الكبيرة التي سعت لها بالتوافق مع النظام وأصبح لها عملاء ووسائط من أهل المنطقة همهم الربح فقط فأصبح هؤلاء يشترون العقارات المهدمة أو التي أصحابها معتفلون أو منفيون أو هاربون بأسعار زهيدة ويبيعونها للإيراني بأسعار باهظة حصل هذا في كل من حمص ودمشق وحماة ومعرة النعمان والقلمون وريف دمشق ، وقامت عناصرها بتشكيل اللوبيات الإقتصادية الكبيرة في تلك المناطق بحيث ينحصر بها توريد المواد الأساسية وسيطروا على الكثير من الأراضي الزراعية للتحكم  عن بعد ، كما شكلوا مجموعات مالية غايتها التحكم بسعر صرف العملات  وتهريب العملة الصعبة لتغطية الأثار الإقتصادية المفروضة على إيران .

بالمقابل عملت إيران و بعد فرض العقوبات الأمريكية على جعل السوق السورية هي السوق الرديفة أو كما يقال ( الحديقة الخلفية لها ) أي تعمل من خلال تلك السوق على تمرير شحنات نفطها المهرب وكذلك المعاملات المالية ، وسعت لتشغيل الموانئ السورية بالتعاون مع روسية على شحن البضائع الإيرانية ، والأهم من ذلك قامت بتأسيس شركات بأسماء عناصر سورية لتمرير تلك المعاملات  وجعلتهم في الواجهة ودعمتهم مادياً ،

لم تكتفي إيران بذلك بل عملت على إغراق السوق السورية بالمخدرات لتمويل إقتصادها المتهالك وجعلت من سورية ممراً لتلك المواد كما كانت تفعل في لبنان بعد سيطرة حزب الله على مطار بيروت  ، كل هذا يأتي بالتزامن مع تمويل عمليات زراعة الحشيش في منطقة القصير تحت رعاية حزب الله وقامت بإنشاء مصانع صغيرة للحبوب المخدرة في عدة مناطق سورية  بعد أن أغرت بعض الفقراء بذلك وأعطتهم المعدات ونسب من الأرباح  ( هناك عدة مصانع تم اكتشافها في محافظة حمص ) .

وعندما أعطت حكومة النظام الروس ميزات أكثر من الإيرانيين وجدنا هؤلاء يكيلون الإتهامات لرأس النظام ويتهمونه بالخيانة ، لذلك كان عمل إيران يتجه لطريقة تجبر النظام على تحقيق رغباتهم ، فهناك عدة عقود تنفذها شركات ايرانية بأيدي سورية في عدة محافظات لإزالة الأنقاض عن البيوت المهدمة وعمليات التنظيف وإدارة الدوائر الحكومية بعقود استشارية بالطبع كل هذا بإنتظار عقود إعادة الإعمار و التي من المتوقع أن يكون للإيراني نصيب جيد منها .

4)     التدخل والتواجد السياسي والإعلامي .

عملت إيران وعن طريق روسيا أن تكون عنصر صامن في الملف السوري ( سوتشي واستانا ) بالطبع اعتمد عليها الروسي كعنصر ضاغط و رأس حربة ضد الفصائل الثورية من جهة وضد رغبات تركيا من جهة أخرى واستطاعت إيران لعب هذا الدور وتجييشه لصالحها في ملفات كثيرة في المنطقة ، هذا التجييش كان يكسبها بعداً إقليمياً كبيراً فقد كانت تغط بملف معين لتحصل على تنازلات في ملف أخر واستفادت كثيرة من ملف العقوبات المفروض عليها لتوظفه في خدمة مشروعها السياسي في المنطقة كذلك عملت على توظيف ملف القدس في القضية السورية من خلال تبني فصائل وتنظيمات فلسطينية لرؤيتها بالحل في سورية والوقوف مع النظام الغادر رغك ما تعانيه تلك الفصائل من قساوة هذا النظام ساعدها في هذا مواقفها الخادعة في المحافل الدولية وغباء بعض الدول العربية التي لم تستفيد بل ساعدت إيران في هذا من خلال إطلاق تصريحات ضد التنظيمات الفلسطينية ، كل هذا ترافق مع تكثيف الإعلام المرئي والمقروء ومنصات التواصل الإجتماعي حتى أن النظام أصبح يعتمد على ما تبثه تلك الوسائل واستخدم عناصر تابعة لها في حربه على الفصائل فأصبحت إيران هي صانع الخبر ومحرر ومرسله والنظام عبارة عن مراسل فقط وظهر هذا جلياً في تسليم درعا وخروج أهل القلمون وقضية كفريا والفوعة والحرب على النصرة وداعش .

كما أنه من خلال خلاياها النائمة والتي تسترت بستار الوطنية أصبحت تلعب على وهن العزيمة وبث الشائعات يترافق مع مواقف سياسية داعمة للنظام و الإدعاء بالعداء لأمريكا واسرائيل ، بالوقت الذي كانت إيران تمارس زواج المتعة معهما فلا يخفى على كل عاقل أن علاقة إيران باليهود علاقة عضوية متلاحمة لا يمكن لأحدهما أن يضر الأخر ومن هذا المنطلق كانت الحرب مع أمريكا حرب تصريحات جوفاء فارغة ، وعلى الرغم من رفض ترمب للإتفاق النووي إلا أن هذا ياتي من باب تحجيم إيران وليس القضاء عليها ، فإيران مهمة للكيان الصهيوني وأمريكا كونها الخنجر في الخاصرة العربية ، ونعلم جميعنا تمكين أمريكا لإيران من السيطرة على القرار السياسي العراقي .

إيران أحسنت التعامل مع الملف السياسي والإعلامي للقضية السورية بينما أخفق حلفاء الشعب السوري أو لنقل لم يكن في خاطرهم أن ينجحوا .

   بالخلاصة نرى أن الدور الإيراني كان دوراً خطيراً بكل المقاييس وهي تشكل العبء الأكبر على هذه القضية و كذلك على المنطقة برمتها و لا يمكن تجاوز هذا العبء أو القضاء عليه إلا بالعمل على إنجاح الثورة السورية التي تشكل الدعامة الأسياسية وحجر الزاوية بالقضاء على الحلم الإيراني بعودة الدولة الفارسية .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

داعش من جديد في سورية: من المستفيد

قناة ميدي 1 تي في  برنامج الحصيلة ....المقدمة : الجوهرة...

مبادرة الكرامة …نص المبادرة 2019

سنوات عجاف مرت هزتها صرخات المكلومين ، باتت فيها...

رغبة شعبية أم انقلاب مستتر ….الشيخ محمد الغزالي

« لقد رأينا الشخص يستولى على الحكم بانقلاب عسكري...

السُّلطة والسمكة…..

يحكى أن رجلا رغب في أكل السمك فذهب إلى...

البراغماتية المبدئية و الانتهازية

Executive Summary: The Paradox of Principle and Pragmatism in...

المخابرات …..بقلم الاستاذ محمد سعيد سلام

 المخابرات ابتداء لا يوجد جهاز مخابرات جدير بالاحترام في العالم...

حزب الله وتمرير المخدرات لسورية

يقول المحلل السياسي حسام نجار، إن حزب الله اللبناني،...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img