غرفة التحرير …


في عالم متناقض التوجهات ومتعدد الوجوه و في ظل تطور هائل بوسائل التواصل أصبحنا نتلقى الكثير من الأخبار و الكم المخيف من المعلومات والتي تندرج كلها تحت مسار المعرفة والتوجيه و تكوين بيئات فكرية معينة ،وهنا يقودنا هذا لمعرفة كيفية التلاعب بالمعلومة وتقديمها على أنها هي الوجه الصحيح للمعرفة وكذلك هي الخبر اليقين
و الأكيد .

من هذا المنطلق يجب البحث عن كيفية صياغة الخبر و من وراء هذه الصياغة وما الهدف منها ؟ ، فمعظم تلك الأخبار والتحليلات والأفكار يعمل عليها فريق متخصص لديه القدرة على ليّ الخبر و توجيهه حسب المراد منه ومن الجهة التي تستقبله و ما هو المتوقع منها بعد استقبال الخبر ؟.

بالطبع هذا الموضوع لا يخص المجتمعات العربية فقط بل هو أسلوب مستخدم في كل بقاع الأرض لتكوين وتحشيد الأفراد وراء فكرة ما ، و جعلهم يؤمنون بها ، بل وحملها على كاهلهم مقاتلين ومدافعين عنها .

وكلنا شاهد ما حصل في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة من خلال مؤيدي الرئيس ( ترمب ) ، لكن الخطورة لا تكمن في هذا الجزء و إنما في حرف الفكر و تهميش الوعي بزرع السم داخل العسل واللعب على العواطف و استخدام نقاط ضعف الأفراد أياً كانت هذه النقاط .

هذه الأمور التي تتم لها مصنع وهذا المصنع تختلف تسميته بحسب المكان فقد يكون ( المطبخ السياسي ) وقد يكون (غرفة العمليات )وقد تكون ( غرفة التحرير).

في غرفة التحرير تلك وخاصة التي تعمل وفق أجندات وخطط معينة ولها توجهات على عدة أقنية ومستويات ،تبدأ القصة والحكاية ….

ويتم داخل هذه الغرفة كل عمليات الخداع وتغيير فحوى الخبر أو الموضوع ، و فيها يتم صياغة الخبر إما تحريفاً أو تثبيتاً أو اقتباساً من خلال جمل و كلمات منتقاة بحرفية يطرب لها السامع ، فيتم وضعه ضمن قالب يخدم هذا التوجه أو ذاك ،ويتم صياغته بشكل يجعل المتلقي يقبله صاغراً مؤكداً على أنه وجه الحقيقة ويبرمج عقله وتفكيره من خلال هذه الصياغة ، وأكثر ما نراه في المجال الديني والسياسي .

يوجد داخل هذه الغرفة وخاصة في المؤسسات الإعلامية الموجهة إختصاصيون بهذا المجال ، درسوا كيفية الصياغة و تغيير الكلمات والتوقف و حتى علامات الترقيم أين توضع ، و كيف يستقبل الفرد هذا الخبر ،و من هي الشرائح المتأثرة أكثر من غيرها .

وقد تجد نفس الخبر في عدة وسائل إعلامية مصاغ بطرق مختلفة يلبي توجهات كل وسيلة منها .

بالطبع هناك أسلوب أصبح متبعاً لدى العديد من الوسائل أن تعطي الخبر مختصراً ثم تتابعه بشرح وتفصيل أكثر دقة و من هنا يبدأ التاثير ،فذكر بعض الحقائق التي يعرفها الناس ثم  ربطها بشكل متسلسل مع توجهات الوسيلة الإعلامية يعطيها مصداقية لدى المتابعين .

تعمد غرفة التحرير تلك وخاصة في الوسائل المرئية والبرامج الحوارية على توجيه المذيع لنقاط و أسئلة محرجة للضيف قد توقعه بالحرج أو إتخاذ موقف ما في الأحوال العادية قد لا يتخذه ،أو أنه يخرج عن الموضوع برمته ، بالطبع حسب سرعة البديهية للضيف .

غرف التحرير تلك وخاصة في الأنظمة الشمولية تعتبر وكراً للأنظمة القمعية تستخدمها بطرق سمجة كريهة ،غايتها تغييب الفكر والوعي للمواطنين من جهة وترهيبهم و إخافتهم من جهة أخرى ،وكله تحت سطوة المخابرات و الأجهزة الأمنية .

لذا نرى العديد من الحكومات لم تكتفِ بوسائلها الرسمية بل عمدت للسيطرة على الوسائل الأخرى ، وصناعة أجهزة تكون بعيدة عنها نظرياً لكنها تتحكم فيها بشكل كامل ، بحيث تضع لها أفراد ليسوا محسوبين عليها ،ويتركون لهم مجالاً محدوداً للحديث و الإنتقاد بحيث تظهر تلك الوسيلة على انها حرة الرأي والقرار .

لكن السؤال الهام جداً ….. هل استطاعت تلك الحكومات السيطرة على الأفراد بتفكيرهم و وعيهم و توجيههم من خلال غرف التحرير لديها أو أن هناك من شب خارج الطوق ؟؟؟

في الحقيقة فكرت كثيراً في هذا السؤال و تلاطمت الأجوبة في عقلي ،تارة هذا و أخرى ذاك .

لكن لا يهم ما أجبته أنا عن تساؤلي ، أنتم ما رأيكم …؟؟

في حالات قليلة يعرف الجميع أن ما يتم صناعته في غرف التحرير من أخبار مفبركاً لكنه يأخذون به ، ويعتبرونه جزءً من الحقيقة وليست الحقيقة المطلقة ، ويبنون توجهاتهم بناءً على هذا الجزء ، وكثرة المعلومات تضع الناس في حيرة من أمرهم ،فيميلون لتصديق أمور هي أقرب لأمنياتهم رغم كونها غير صادقة ، ومن هنا يأتي إستغلال تلك الأماني من قبل الغرف تلك  .

فكم غيرت تلك الغرف من توجهات ، وكم حولت من أنظارٍ ، وكم حرّفت من أخبار .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

توظيف الدين في تخدير الشعوب العربية

التخدير الديني والشعوب العربية تنتابني بين الفترة والأخرى قشعريرة غريبة،...

2019 عام التراجعات السياسية

وتمضي السنون مسرعة تحمل في طياتها مأساة العصر، فحتى...

المعارضة و بالأخص العشرة المبشرين بالرئاسة لايمثلون لا ثورة ولا شعب …….. بقلم / كل ثائر

 المعارضة و بالأخص العشرة المبشرين بالرئاسة لايمثلون لا ثورة...

تصريح لافروف حول انتهاء العمليات العسكرية في سورية

تثير تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم أمس،...

لـــبـــنــــان …….دويلة الأجندات / قطعة من السما

مقدمة: حين تُصاغ الدول على مقاس الطوائف، وتُرسم حدودها برغبات...

الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة …….قطوف سيد

بذور الخير والشر  بذرة الشر تهيج، ولكن بذرة الخير تثمر،...

سأخوض مع الخائضين ……رسالة بوست

من عادتي عندما يًكثُر الحديث عن موضوع ما ،وبخاصة...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img