شهود الحق وشهود الباطل


أهل الحق المبين

تستوقفني بين الفينة والأخرى مقاربات عدة، أقف عندها حائراً متسائلاً بيني وبين نفسي ما الفرق بينها؟ ألم ينهلوا من معين واحد أو لم يحضروا بحلقات متشابهة؟ أم أن هناك عوامل أخرى جعلت بينهم فروقاً لمسناها بشدة بعد مضي السنوات؟ 

مقارنات ومقاربات تدرك من خلالها الطبيعة البشرية وكيفية تطويعها، بل حرفها عن هدفها الأصلي واللعب بها كيفما تشاء، تستخدم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتحقيق أهدافها وتلويها كما تشاء، وأخرى ثابتة على المنهج، متمسكة بالمبدأ، لا يزعزعها خوف ولا تهديد ولا إرهاب جسدي أو فكري، نهلت الحق واتبعته، غير عابئة بتوافه الدنيا وعروض الحياة.

لكن الحق أحق أن يتبع.

تتراءى تلك الشخصيات في مخيلتي، فأدفع بعضها واجذب أخرى، تلك منهجها نهج السلطان وليّ آيات القرآن، وأخرى هدفها راحة الإنسان وعبادة رب الأكوان، ألم يقرؤوا القرآن وسيرة الحبيب وصحبه، أم أن الدنيا بغرورها جذبتهم وجنبتهم اتباع الحق، الم يقرؤوا قوله تعالى في سورة الأنعام﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

جاء في السنة النبوية الشريفة (من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار). 

(صحيح أبي داود/الألباني 4873).

أليس هؤلاء بلسانين؟ لسان يتلو القرآن وأخر يحرّف آياته لصالح السلطان.

هذه الظاهرة أصبحت شائعة لا يختص بها علماء بلد ما، ولا أرض ما، بل أصبحت مطية لكل استبداد، ومستنداً لكل باطل يغلف بها ما يشاء.

أما رجال الحق وأهله فهم في تشريد وتهجير وتهميش، لكنهم كالطود العظيم لا ينال من عزيمتهم السجن والقتل، بل يحتسبونها أجراً عند الله، قال تعالى في سورة الزمر الآية 10 (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذه الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (.

العلماء الربانيون هم أولئك الذين وقفوا مع أهل الحق وأتباعه وحاربوا الباطل وأتباعه، نهضت بهمهم العالية الأمم، وتحقق بدعوتهم صلاح البشر، ساعدوا على بناء الأخلاق السليمة، وأسسوا قواعد للأسر النقية النظيفة، كانوا أهل ترغيب للعدل والفضيلة وأهل ترهيب للضلال.

يحضرني من هؤلاء العديد من الأسماء، لكن من باب الابتعاد عن تأويل هذا المقال وأدلجت أفكاره، لم أرد ذكرهم هنا.

ومن أبرز هؤلاء في التاريخ الإسلامي الإمام أحمد بن حنبل، الذي رفض القول بخلق القرآن رغم التعذيب والسجن، فكان مثالًا للثبات على الحق. كما يُعد عبد الرحمن الكواكبي من المفكرين الذين واجهوا الاستبداد السياسي والديني، وكتب في ذلك مؤلفات خالدة مثل ‘طبائع الاستبداد

فعلماء السلطان اتسعت منازلهم، وتهاوت صروح الثقة بهم، عميت أبصارهم عن رؤية المآسي، وتقربوا من الدنيا ومن فيها، ونسوا قول الله تعالى في سورة أل عمران: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ. (145)

هؤلاء زين لهم الشيطان الهوى وحب الدنيا، معتقدين أنهم ما زالوا على الحق، لكن هيهات بين الاعتقاد والفعل، بين ربط القول بالعمل، شتان بين تأويلات و تفسيرات، يسمون معارضي الأنظمة والحكام بالخوارج، وفي حديث عن الرسول صل الله عليه وسلم يقول فيه:(من جاهدهم *الحكام الفاسقين*بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، و من جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) أخرجه مسلم.

وقد شهدت الساحة الدينية في بعض البلدان ظهور شخصيات دينية تبرر قمع المظاهرات السلمية، وتصف المحتجين بالخوارج، مستندة إلى تأويلات تخدم السلطة. كما صدرت فتاوى تُجيز قرارات سياسية مثيرة للجدل، مثل التطبيع أو تقييد الحريات، رغم تعارضها مع مقاصد الشريعة.

فهل بعد حديث الرسول قول أخر؟

إن هؤلاء شهود للباطل، عصا يتوكأ عليها السلاطين، وكلمات تربي المريدين، وتطيل عمر المجرمين.

وقد امتلأت الساحة بهم، وقد تم تصنيعهم لهذه الظروف والأحوال.

في المقابل، لا تزال هناك نماذج مضيئة لمفكرين وعلماء يسعون لإحياء الوعي، مثل مالك بن نبي الذي دعا إلى بناء الإنسان المسلم الواعي، ومحمد الغزالي الذي دافع عن الإسلام الوسطي وواجه تيارات التشدد والانغلاق.

نختم بقول العزيز الحكيم في سورة النساء(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) { النساء:60 – 61}

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

أزمة رجال أم أزمة رؤية؟

شروخ عميقة في المجتمع   الشروخ المعمارية أقل خطراً من الاجتماعية هل...

لا نهضة ولا تقدم ولا كرامة ولا تدين صحيح

 (التخلص من العملاق) الأهبل رأس الإجرام يذكرون أن رجلا شهماً كان...

مبادرة الكرامة 2

https://www.youtube.com/embed/eiq4wAKvz8w مبادرة الكرامة لمستقبل واعد و أفضل لسورية

المفارقات بين المعارضتين السورية والإيرانية ( جزء ثاني )

كنا قد تحدثنا في مقال سابق ( المفارقات بين المعارضتين...

برنامج على فكرة الحلقة (2 )

https://youtube.com/embed/jrfR5Us_Vi4
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img