ساحات الصراع: عندما تصبح القوة هي المعيار

مقدمة:

تعيش الأمة العربية والإسلامية صراعاً مريراً وصعباً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتراها في حالة من الهشاشة والتشتت، فليست لديها القدرة على المواجهة في زمن تحكمه القوة. فلم تعد تلك القوة بالمواجهة المباشرة، بل بمجالات عديدة منها الظاهر ومنها الخفيّ.

عندما كانت القوة تتمثل بالمواجهة المباشرة كان للعرب صولات وجولات، وتطورت وسائل القتال، وسادت أدوات على حساب أدوات، وازدادت الهوة بين المجتمع العربي والغرب، ولم يستطع العرب مواكبة هذا التطور

تحولت القوة إلى منظمة مركبة ومتعددة، تبدأ بالإعلامي مروراً بالاقتصادي والعسكري وصولاً للثقافي، وأصبحت القوة تدار من وراء الطاولات لا من ساحات المواجهة، وبدا موقف العرب هزيلاً مترنحاً خجولاً.

ضاعت معه الهيبة والقوة والفعل، وبدأت التبعية والانحطاط تغشى الشعوب والحكام، وسيطرت القوى الخارجية على مقدرات الأمم بكافة مفاصل السيطرة وفرضت رؤيتها ونظامها وتركت مساحات ضئيلة للشعوب للتحكم بما تمتلك.

الخنوع والتبعية والقضية:

في ظل هذه الحالة من الخنوع والتبعية، ورغم امتلاك المقدرات المالية والثروات الباطنية، لم تستطع الدول العربية الخروج من هذا الطوق رغم المحاولات الكثيرة والعديدة، ومع هذا بقيت قضية فلسطين هي النبض الأساسي لوحدة الفكر العربي.

هذا النبض لم يرافقه حركة فعلية قادرة على النهوض، بل ساهمت دول عربية محددة في محاولة طمسه والتلاعب به. وجعله أداة سياسية وورقة للتفاوض والمساومة.

ومع زرع الكيان الصهيوني في المنطقة العربية، والدعم اللامحدود له أكبر الأثر في شرذمة القوة العربية  وبدأ الصراع يتحول من المركزية إلى الفروع، وظهرت معه رغبات حثيثة للتمدد عبر الأدوات، فتارة يتم استخدام القوة بمختلف أشكالها وتارة أخرى الحوار الضاغط، والتسويات الثنائية لفتح الثغرات داخل الجسد العربي المنهك.

الاتفاقيات الثنائية  و بداية المشروع:

ومن أجل الإبقاء على السيطرة، كان من الطبيعي جعل الكيان الصهيوني جزءاً من المنطقة، وربطه بمعاهدات واتفاقيات فبدأت (كامب ديفيد) ثم لحقها (وادي عربة) وصولاً لـ (اتفاق أوسلو)، لكن رغم هذه الاتفاقيات بقي الكيان منبوذاً وغير قادر على الوصول للفكر العربي وفرض نفسه اجتماعياً أو حتى اقتصادياً وبقي منفرداً بالقوة المدعومة من الغرب.

وكانت هذا الاتفاقيات مرحلية آنية لوقف جزء من الصراع والتفرغ لجعل الخرق أكبر استراتيجياً، و العمل على خطط بديلة تكون مدعومة بالقوة والمراوغة.

الفساد المستشري والتلاعب بالمصير:

هذا لا ينفي بالطبع فساد المؤسسات والممارسات داخل الدول العربية، واستبداد الحكام وتحكمهم بمكتسبات ومقدرات الأمة، يضاف له الحياة الماجنة للبعض منهم، وارتباطهم الوثيق بمراكز قوى وأندية وكتل خارجية، كذلك عدم وجود ضوابط قانونية وأخلاقية تسمح بكل هذا.

الاتفاقيات الإبراهيمية والضغط المستمر:

فتفتق العقل الغربي على ألاعيب جديدة تحت مسمى وحدة الأديان، منطلقين من مبدأ أساسي أن الديانات السماوية مصدرها واحد و أنه لا اختلاف بينها ، فجميعها يدعو للسلام و العدالة و الرحمة و المحبة، و أن الاختلاف من صنع الإنسان ، و الانسان بطبيعته يميل للتفرد و الوحدانية في القرار، و تم جمع رجال الدين من كل الأديان في مؤتمرات و لقاءات ، و بعد مرور الوقت تبين للعلماء المسلمين تحديداً أن هذه الفكرة عبارة عن تذويب للفكر الإسلامي و جعله تابعاً و فض عرى الدين و الاندماج مع باقي الأديان و عدم تحريم الحرام و إحلال الحلال، فابتعدوا عنها .

لكن هل يستسلم أصحاب الفكرة؟  قطعاً لا …… فهم لديهم أساليب أخرى لفرض الأمر، أو منحه طريقاً للسير، فتم العمل على دولاً بحد ذاتها مستغلين عداؤهم للدين ولرجال الدين، فبدأوا بهم وامتدوا وأطلقوا تسمية جديدة (الاتفاقيات الابراهيمية) منسوبة للنبي إبراهيم، لتوظيف الدين كشيء مقدس لتنفيذ مأرب سياسية واقتصادية.

حاولوا تسويقها بمختلف الطرق فكرياً،ثقافة، أخلاقياً، اقتصادياً، اجتماعياً، ولم يتوانوا عن أي طريقة وقد يحاولون عسكرياً.

وهذه الاتفاقيات ليست دينية فحسب بل هي سيطرة وقبض على كل المقدرات، وترسيخ الرؤى الإسرائيلية والغربية وتعزيز الوجود الاجتماعي والثقافي لإسرائيل.

خاتمة :

إن محاولات تطبيع إسرائيل ودمجها بشعوب المنطقة محاولة يائسة، خاصة بعد ممارساتها العدائيةوالمدمرة وقتلها لمختلف الشعوب العربية، وتدميرها لكل شيء يمت للحضارة والأخلاق، له حلم بعيد المنال، وجدنا هذا في كل الاتفاقيات السابقة، فحتى لو قبلت الحكومات فإن الشعوب ستنبذها خارجاً، العلماني قبل الملتزم.

فالمجرم والمغتصب لن تصلحه الأيام إلا بعودة الحق لأهله، ومحاسبته على إجرامه.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

بصائر أيها المارون بين الكلمات العابرة ……

 أيها المارون بين الكلمات العابرة  احملوا أسماءكم وانصرفواوأسحبوا ساعاتكم من...

خيوط بريطانية الخفية ……تحريك الحقد / حسام نجار

 ما زالت الصحافة البريطانية تغذي روح الحقد ضد الأتراك...

ذاكرة السمك: …..بين الثمر و الظل

مقدمة: ترددت كثيراً قبل البدء بهذا المقال ، فكيف لي...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img