القيادة العظيمة وكيفية استغلال الطاقات

الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله


المخوف من الملوك الفسقة، والحكام الفجرة ؟!
أعرف رجلاً قُتل ابنه فلم يرَ حرجاً من تقبيل اليد التى تلوثت بدمه، إن الجبان الذى انحنى ليفعل هذه الفعلة لا يقل إثماً- فى نظرى- عن القاتل نفسه .
والناس قد يحزنون للجراح الجديدة، و يستشعرون ألمها، ولكنهم على مر الأيام ينسون ويذهلون، كما قال الشاعر :
على أنها تشفى الكلام وإنما .. نوكل بالأدنى، وإن جل ما يمضى
ولسنا عبّاد أشخاص، وإنما نكرم المبادئ فحسب فى الرجال الذين يحيون لها، ويتجردون إلا منها . .
وإنى أعترف بأن أحسن أصدقائي ما عرفتهم إلا فى ميدان الدعوة، ومازال رباط الحب الوثيق يجمعنا بهم، ويدفع بقلوبنا وصفوفنا إلى خدمة الإسلام ونصرة أمته .
وإنى لأرجع خواطرى التى كتبتها فى السنين السابقة، فأجد فيها كلاما عن القيادات المختلفة، وقيمها الخاصة، يستحق أن يذكر هنا. للقيادات الناجحة صور تتفاوت مجداً وعظمة .
يعتبر قائداً عظيماً، هذا الذى يستغل ما تحت يده من قوى معّدة، فيدرك بها نصراً كبيراً، أو يحقق مأرباً خطيراً، أو يحرز نجاحاً واضحاً .
وعنصر الخير فى هذه القيادة، أنها لم تجهل ما لديها من وسائل العمل ولم تسيئ استخدامه، وليس يغمط من حقها أنها وجدت فى مكان مهيأ،، من الواجب عليها أن تستفيد منه، فإن الناظر في أمم الشرق، وفى أحوال قادتها و حاكميها يجزم بحاجتها إلى هذا النوع من القيادات .
فكم من رؤساء وزعماء جهلوا مدى ما معهم من قوى. بل ليتهم جهلوا وسكتوا !! لكأنما كان أكثرهم موكلاً بشُعَل الإيمان يُطفئها. و جذوات النشاط يُخمدها. وحبال الأمل يقطعها. وسبل النجاح يُسدها، فجزاهم الله عن أممهم شر الجزاء .
وإذا كان القائد الذى يحسن الانتفاع مما معه عظيماً، فأعظم منه و لاشك هذا الذى يوجد فى بيئة لا تعطيه شيئا البتة، ثم هو مع ذلك الفراغ يخلق خلقاً الوسائل التى يدرك بها غايته ويحقق رسالته .
وعليه- فى سبيل ذلك- أن يوجد الجند، وأن يمهد الميدان، وأن يبتدع الأساليب، وأن يكافح الزمن، وأن تكون نفسه الكبيرة ينبوعا دافقا بالحياة والنشاط، ليمد هذه النواحى جميعا بما يصل بها إلى نهايتها المنشودة .
وهذا الطراز من القادة يظهر فى الحياة على ندرة كما قلنا، 
ولا شك أن الأنبياء، وزعماء الإصلاح الديني، هم الطليعة الكريمة فى هذا الضرب من القيادات المجيدة . .
والنهضة الإسلامية التى انفجر نبعها فى هذا العصر إنما أفلحت فى خلق جيل جديد عندما استطاعت ربط القلوب بربها، فكان هذا الرباط الساحر مصدر القوة العارمة التي جمعت الشتات، وأحيت الموات، وأنارت الظلمات .
بلى، فالرجل الذي ينيب إلى إلهه يدوس آلهة الأرض، و ينفسح صدره بجلال اليقين، وينتظر المستقبل بثقة مهما كان الحاضر غائماً حافلاً بأسباب العجز والعسر. عالماً أنه له لا عليه وأن الله سيرسل السماء مدرارا، ويزيده قوة على قوته .
وقد تسرى طبيعة القيادة العظيمة- تلك التى تكلف بخلق السبب والنتيجة معاً- إلى الأجناد الذين يعتنقون الفكرة نفسها، فيجدون أنفسهم فى عالم موحش و مناوئ. فعليهم أن يستمسكوا بحبل الله، ويسلموا وجوههم إليه، فيزدادون بالاستغفار والإنابة استمداداً للقوة، واستعداداً للفلاح، واقتراباً من النصر .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

غذي روحك ……سنبقى هنا

   أداء : رامي محمد https://www.youtube.com/embed/Ynhm5UEyvVQ

تاريخ الحركة الصهيونية وسياقها بين اليهودية والحضارة الغربية (11) :….بقلم / فداء حمدون

الخاتمة: بعد أن استعرضنا في هذه السلسلة تاريخ الفكرة الصهيونية...

The Muslim Brotherhood in the Balance

The Muslim Brotherhood in the Balance: A Critical Review...

المهاجرون …….. بين الوطن و الغربة

تتصارع الفكرة مع أختها، حتى تكاد لا تكتمل واحدة...

مجنون من يوافق: شروط إسرائيل الأمنية و السقف الأعلى

مقدمة نتابع عن كثب تطور المحادثات السورية الإسرائيلية برعاية أمريكية، ونقف...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img