هل يولد الفرد و بذرة السيطرة كامنة في داخله ؟ هل تربية الفرد تجعله كائناً بعيداً عن الفطرة النبيلة الطاهرة؟ هل بساطة الأفراد و حبهم أو خوفهم من شخص ما يجعلهم كالقطيع؟ أم هو سعي لعملية تغيب الوعي الجمعي ؟أم أن النفس البشرية تحب القائد و المنقذ و ترى نفسها به؟.
أسئلة تدور في الأذهان لعلنا نجد أجوبة شافية كافية!!
فالطغيان لا يُفسَّر فقط بشهوة الحاكم، ولا بالرغبة ، بل باستعداد اجتماعي يسمح له بالتحقق والاستمرار.
عوامل بناء الطاغية متعددة و متشابكة، كل نقطة تؤدي إلى أختها، لتتضافر وتشكل سلسلة مترابطة، يقوم الفرد من خلالها بتسليم مفاتيح سجنه لسجانه .
ومن هذه العوامل:
1 – كيف تُسهم الشعوب في صناعة الطغاة؟
v البحث عن المُنقذ لا عن النظام، حين تبحث المجتمعات عن “الرجل القوي” “القائد الحاسم” “الزعيم الذي لا يتردد”
فهي عمليًا: تختصر السياسة في شخص وتُلغي فكرة المؤسسات والرقابة.
الطغاة لا يظهرون لأنهم أقوياء فقط، بل لأن المجتمع طلب القوة قبل القانون.
(( يقول أريك فروم في كتابه ( الهروب من الحرية ) أن هذا عبارة عن محاولة للتخلص من عبء القلق والشك، لكنه يؤدي في النهاية إلى فقدان الفرد لذاته، ويرى أن الإنسان هو الوحيد الذي يجب عليه حل مشكلة وجوده من خلال تطوير قواه الذاتية)).
v تفضيل الاستقرار على العدالة عندما يصبح السؤال: هل الهدوء و العيش بسلام ، أفضل أم تطبيق العدالة؟ هل الفرد مقابل حصوله على حياة مريحة و سكينة تلبي حاجاته ، أم حصول العدالة في التوزيع و الرأي وفرص العمل؟
هنا يُفتح الباب على مصراعيه لحكم يقول:
القمع ثمن مقبول مقابل الأمن، بل هو الحل الأنسب و الأفضل، وهكذا يتحول الاستبداد إلى صفقة اجتماعية غير معلنة، بين الحاكم و المحكوم يتنازل فيها المحكوم عن حقوقه.
(( يقول نيكولو ميكافيلي في كتابه ( الأمير ): أن بقاء الدولة (الاستقرار) هو الغاية الأسمى، وأن العدالة الفردية قد تعيق هذا الهدف)).
v تفويض المسؤولية الأخلاقية :حين يعتقد الناس أن السياسة شأن “الكبار” و القرار مسؤولية “القيادة”، حينها دورهم يقتصر على الصبر أو التشجيع، و يلجؤون لنشاطات هامشية لا تؤثر على الحكم ، بل تزيد من قوته و فرض هيبته.
يُنتج ذلك:
سلطة بلا مساءلة، وطاغية لا يُسأل إلا بعد فوات الأوان، الطغيان يتغذى على انسحاب المجتمع من الفعل.
(( يعتبر جان بودان في كتابه ( الكتب الستة للجمهورية ) أن مفهوم السيادة المطلقة وغير القابلة للتجزئة هي للملك، مؤكداً أن الاستقرار السياسي يستوجب خضوع الشعب للملك)).
v استخدام التعابير اللغوية: الطغيان لا يبدأ بالهراوات، بل بالجمل:
المرحلة استثنائية، لا وقت للنقاش، البديل أسوأ، ليس الآن، علينا تثبيت الحكم و التمكين، انتقادنا سيضعف الدولة و الحكم،
عندما تُكرَّر هذه اللغة اجتماعياً، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح القمع مرحباً به.
يتم صناعة البروباغندا التي تجعل القمع ضرورة وطنية لعدم إثارة الفتنة و التحريض و زعزعة الحكم.
يقول جوزيف غوبلز : كرر الكذبة بما فيه الكفاية وستصبح حقيقة.
v ولاء الهوية الجامد: عندما تدافع الجماعات عن “قائدها” لأنه من طائفتها، من حزبها، من منطقتها، من سرديتها، حتى لو أخطأ، فإنها لا تحميه فقط، بل تعطيه رخصة مفتوحة للتمادي و السيطرة على كل شيء.
(( يقول جون كلينج: عادة ما يُنظر إلى الولاء على أنه فضيلة، وإن كانت إشكالية في حد ذاتها، إذ إنه يتشكل مركزياً بالمثابرة في ارتباط يصبح فيه الفرد ملتزمًا بالولاء التزاما جوهريًا باعتباره مسألة هُوية له)).
v تقديس الماضي والخوف من المستقبل: المجتمعات التي تخاف التغيير، تعيش على ذاكرة جريحة، ترى المستقبل كتهديد، تميل إلى قبول سلطة تقول: دعونا نحافظ على ما تبقى. وهكذا يُنتَج طغيان باسم الحماية و السلامة.
v الإرهاق الجماعي: الشعوب المرهَقة، لا تثق، لا تحلم، لا تطالب، وحين يطول التعب، تصبح الحرية عبئًا، ويصبح الطاغية حلًا نفسيًا مؤقتًا.
الطغاة لا يحكمون لأنهم يريدون فقط، بل لأن مجتمعات كاملة تعلّمت — تحت الخوف والتعب — أن تقايض دورها السياسي بالأمان المؤقت، .هذه ليست إدانة للشعوب، بل محاولة لإعادة إدخالها إلى المعادلة.






