المهاجرون …….. بين الوطن و الغربة

تتصارع الفكرة مع أختها، حتى تكاد لا تكتمل واحدة ، لتبعدها جانباً، ما دور المهاجرين في الشتات؟، هل هم عبء على دولهم؟، هل هم فاقدوا الثقة؟، هل الداخل ينظر لهم كأجندات؟، أليسوا مساهمين في البناء؟، أليسوا مشاركين بالنصر؟، ألم يُهَجر بعضهم رغماً عنهم؟، فلماذا نسيانهم؟،

المهاجر لا يفقد ولاءه للوطن، بل غالباً ما يتحول ولاؤه، إلى ولاء للمبادئ/الدولة الحالم بها.

المهاجر يملك ترف “النقد الصارخ”، فهو يحب وطنه لكنه يرفض هيكلية السلطة فيه. هذا النوع من الولاء هو الأشد خطراً على الأنظمة لأنه ولاء غير قابل للشراء بالامتيازات أو القمع.

أحياناً يسقط المهاجرون في فخ “التشدد النظري” لأنهم بعيدون عن تعقيدات الواقع اليومي في الداخل، مما يجعل طروحاتهم تبدو للداخل كأنها “منفصلة عن الواقع”، وهو ما يغذي تهمة عدم الموثوقية.

تختلف الدول في التعامل مع “الشتات فدول المؤسسات والقوانين تعتبر المهاجرين “قوة ناعمة” وذراعاً اقتصادياً وفكرياً، تملك المعرفة والمال، والدول ذات الطابع الأمني القمعي الشمولي، تعتبر المهاجرين “خلايا نائمة” للمعارضة. لذا، يتم تصدير خطاب “عدم الثقة” ضدهم لتجريدهم من تأثيرهم على الداخل.

وقد يتهم المهاجر بالعمالة للخارج، ويُتهم بأنه “يعيش في الرفاه” ولا يشعر بمعاناة الداخل، وتعد قضية عدم الثقة بالخارج” (سواء المهاجرين أو القوى الخارجية) ظاهرة اجتماعية وأمنية عميقة، خاصة في المجتمعات التي عانت من الاستبداد أو النزاعات الطويلة. هذه الريبة ليست مجرد “هواجس”، بل هي نتيجة هندسة متعمدة وتراكمات تاريخية.

تعتمد بعض الأنظمة على عزل الداخل عن الخارج لمنع تسرب الأفكار التحررية أو النماذج الديمقراطية، وتصوير كل من هو خارج الجغرافيا الوطنية على أنه “مرتهن” لجهات استخباراتية. هذا الخطاب يجعل المواطن في الداخل ينظر للمهاجر ريبة، خوفاً من أن يكون أداة لمشروع خارجي.

هناك حاجز نفسي ينشأ بين من بقي في الداخل ومن خرج، يرى البعض أن الخارج يعيش في “رفاهية” وأمان، وبالتالي لا يملك الحق الأخلاقي في التنظير أو قيادة الصراع.

كما لا يمكن إنكار أن بعض القوى في الخارج ترتهن فعلياً لأجندات الدول المضيفة أو الممولة، هنا يختلط الحابل بالنابل، فتُعمم تهمة “الارتهان” على كل المهاجرين، حتى الكفاءات الوطنية المستقلة.

في الدول المستقرة، يعتبر “المغترب” امتداداً للوطن، في دول الصراع، يعتبر “المهاجر” منشقاً أو عبئاً.

عدم الثقة بالخارج هو جدار عازل” شيده النظام ويغذي اختلاف الظروف المعيشية. المهاجر السوري اليوم ، ضائع بين بين المنفى و الوطن.

لتحويل المهاجر من “طرف مشكوك فيه” إلى “شريك موثوق”، يُطلب منه تبني استراتيجية تقوم على المسؤولية الأخلاقية والمهنية بدلاً من مجرد التنظير السياسي.

أكبر خطأ يقع فيه المهاجر هو لعب دور “الأستاذ” الذي يملي على الداخل ما يجب فعله.

الثقة تُبنى عندما يرى الداخل أن المهاجر يتحدث بلسان وطني وليس بلسان “الممول” أو الدولة المضيفة. وبما أن المهاجر لا يتألم جسدياً مثل أهل الداخل، عليه أن يثبت “وحدة المصير”، أن تكون قضايا الداخل (الخبز، الكرامة، العدالة) هي المحرك الأساسي لخطابه، وليس الصراعات البينية في المهجر.

المطلوب من مدرسة المهجر، ربط الكفاءات المهاجرة بالاحتياجات الحقيقية للداخل السوري، تحويل المقالات والأفكار إلى برامج عمل وتصورات لهيكلة الدولة القادمة، خلق قنوات تواصل للاستماع لصوت الداخل وتضمينه في المشاريع السياسية، بحيث يشعر ابن الداخل أن صوته هو المحرك، والمهاجر هو “المكبر” لهذا الصوت.

الثقة لا تُرمم بالكلمات، بل بـ تراكم المواقف، والمطلوب من المهاجر باختصارأن يكون “صدىً” نزيهاً للداخل، لا “بدلاً” عنه.

المطلوب من المهاجر هنا أن يكون مركزاً للأفكار”، لا تابعاً، عندما يثق الداخل في المهاجر، فإنه يمنحه “التفويض” ليفكر ويبدع ويناور، أما عندما يطالبه بالتبعية، فإنه يحوله إلى مجرد “مؤدي” لا يملك من أمره شيئاً.

الدولة تعرف نزاهة المهاجر عندما تراه يرفض منصباً أو تمويلاً إذا كان يمس بـ “السيادة الوطنية” أو يفرض عليه “تبعية” معينة.

المهاجر يستخدم “حرية الغرب” لفك تشابك “الولاءات” في الشرق.

الدولة والمجتمع يراقبان “الأرشيف” فالنزيه هو من يملك خطاً بيانياً مستقراً لا ينحني أمام الإغراءات السياسية في المهجر.

النزاهة تُقاس بالمسافة التي يضعها المهاجر بينه وبين القوى الخارجية.

يمكننا القول إن النزيه يروج لـ “قواعد قانونية” و”إصلاحات بنيوية” يستفيد منها الجميع، حتى خصومه. هذا النوع من الإنتاج هو “بطاقة تعريف” بالنزاهة لا يمكن تزويرها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img