أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في مسار السلفية الجهادية عالمياً، و كان معظم دورها خارجياً تَمثل واقعاً في الجهاد الأفغاني ، حيث كانت الأرض الأفغانية ساحة مفتوحة للجميع بلا استثناء و شكلت حالة أبو مصعب السوري حالة فريدة يجب النظر إليها و قراءتها بفهم و فكر واعيين نظراً لما تحتويه من طرق و أساليب فكرية جديدة جعلت من العمل الجهادي منظومة عمل فكرية و ليست مجرد حالة قتالية صرفة .
أتجول قليلاً في كتابه الرئيس( دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) محاولاً الوصول لقراءة واعية لفكره، متفحصاً طريقته، خطابه، خطوات عمله.
لم يكن أبو مصعب مجرد مقاتل ، مدفوعاً بالحماسة و العاطفة، بل عقلاً يحمل أفكاراً استراتيجية لتطوير المقاتل الجهادي أولاً و طريق الجهاد ثانياً من خلال منظور طويل الأمد و منظومة مستقبلية فبنى أبو مصعب من خلال تجربته الجهادية فكرة نظام لا تنظيم، هذه الفكرة نادراً من التنظيمات من يستخدمها كونها لا تعتمد على تجمع منظم أو جبهة متكاملة الأركان بل تعتمد على أسلوب عمل من خلال ضوابط و محاذير و واجبات على المقاتل اتباعها و في حال الخلل بها سيكون المقاتل المتضرر الوحيد فقط و ليس التنظيم برمته فهي تعطي الفرد حرية الحركة و اختيار التوقيت المناسب.
وجد أبو مصعب من خلال متابعته و انخراطه ، في العمل الجهادي أن التنظيمات بكافة توجهاتها كحجر الدومينو عندما يسقط حجراً منها تتوالى الأحجار بالسقوط و هذا ما حصل مع الطليعة المقاتلة في سوريا ، كذلك في جزء منه مع فصائل أفغانستان ، و أخذ من فكرة الذئاب الرمادية التركية فكرة تطوير العمل لكنه طورها لتكون استراتيجية عمل جديدة..
كان أبو مصعب و نتيجة لقراءات عديدة و تجارب كثيرة يدرك أن طريقة عمل التنظيمات يشوبها شائبة، فلا بد من تحريك العمل الإسلامي الجهادي أن يرتكز على قواعد هامة و قوية ، فلا يوجد إعلام مناسب و لا توجد تغطية قوية لهذا العمل ترفع الروح المعنوية و تدفع الأخرين للرغبة بالمشاركة و تظهر للعالم أحقية المجاهدين بأرضهم، فعندما يكون الإعلام بيد الخصم يصبح المقاتل عدواً للجميع و هذا ما حصل مع ( الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر )، فتم شيطنة الجبهة.
هذا ما دفع أبو مصعب لفكرة ( الذئاب المنفردة) حاولت ( سرية أبو عمارة ) خلال الثورة السورية اتباع هذه الطريقة في جزء من نشاطها داخل مدينة حلب و أدت نتائج باهرة لكنها عندما عادت للتنظيم سقطت و تلاشت .
بعض التنظيمات الإسلامية حاولت من خلال هيكلها التنظيمي ( حزب التحرير مثلاً ) على خلق بنية قادرة على الصمود في وجه الاختراقات الأمنية ( الخلايا النحلية )، لكن لم تنجح كون كل خلية نحلية لها متزعم و هو مرتبط بأخرين بالخلايا الأعلى و هكذا و عند سقوط هذا الفرد يحدث الخلل و تنكشف كامل السلسلة.
لذلك كانت طريقة أبو مصعب أشبه بفرد هو التنظيم بكامله، يجلب المعلومات ، يراقب، يمول نفسه ذاتياً ، يُأمن السلاح، يحدد ساعة التحرك و المواجهة، و يختفي……. هذه الفكرة تجعل من الخصم مستنزفاً بشكل دائم ، فهو لا يعرف من قام بالعمل و كذلك في حال موت المجاهد ، لا تنظيم خلفه. هنا عَمِلَ على إعادة تشكيل “المجاهد” فكرياً: ليس كمقاتل فقط، بل كفاعل إعلامي وتنظيمي وأمني أيضاً.
حاولت داعش استخدام نفس الأسلوب عندما خسرت معاركها و تقطعت أوصالها إلى مجموعات كثيرة، حاولت كل مجموعة أن تقوم بعمليات منفصلة عن التنظيم، تتألف المجموعة من عدد قليل من الأفراد، نجحت في مرحلة و تناثرت لاحقاً لعدم وجود الحاضن الأهلي لها .
كان يؤمن بالعقيدة الجهادية الموجودة الواجب توفرها المقاتل ففي كتابه ( دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) : «إن غياب العَقِيْدَة الجهاديّة القتاليّة عن الأُمّة سيجعلها قاعدة، خائرة، غثاء ، قصعتها تتناهبها الذئاب الضواري والكلاب العوادي من هنا وهناك»، مع إدراكه من أن الجهاد المسلح أو المقاومة المسلحة التي ينادي بها هي الحل الأوحد لإشكالات عديدة ( واقع المسلمين المزري- العدوان الصهيوني ).
أختم بقوله في كتابه : «فإن ضعف العَقِيْدَة يورث الخور، وربما الرِّدَّة عَلى الأعقاب. وكذلك فإن نقص النسك والعِبَادة، يورث القسوة والجفوة، وإن رداءة الأخلاَق وسوء التّربية لا تنجبَر وتنعكس على صاحبها عنتاً، وعلى من ابتلي بصحبته بلاء».





