
أوهام “نقل العاصمة” وخرائط الهيمنة: قراءة في أبعاد التصعيد الصهيوني جنوب سوريا ومعادلات الردع في دمشق
لم تعد الطروحات المتطرفة التي تتردد في أروقة اليمين الصهيوني مجرد “شطحات فكرية” أو تحليلات هامشية معزولة عن الواقع؛ فالمتابع للتصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير، وما يرافقه من عمليات تجريف وشق للطرق ورفع للسواتر الترابية داخل الأراضي السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا، يدرك بوضوح أن هذه التوصيات تجد صدىً وقبولاً عملياً لدى حكومة الاحتلال.
إن ما طرحته الباحثة الإسرائيلية المتطرفة (مور ألتشولر) حول خطة “نسر الحرمون” — القائمة على التمركز في جبل الشيخ والسيطرة على منابع المياه والطاقة في الجنوب السوري لخنق دمشق وإجبار القيادة السورية على نقل العاصمة شمالاً إلى حلب — يترجمه جيش الاحتلال اليوم على الأرض عبر سياسة القضم التدريجي ومحاولة فرض طوق أمني ومائي خانق.
يتقاطع هذا الحراك الميداني في الجنوب السوري مع الخطاب الأخير لنتنياهو وتبنّيه لما يُعرف بـ “خريطة التحالفات الإقليمية” (كما يظهر في الإنفوجرافيك المرفق)؛ حيث يسعى “المعسكر الأزرق” (التحالف السداسي) إلى تطويق المنطقة، واحتواء القوى الإقليمية الصاعدة، والسيطرة على الممرات الحيوية، في خطوات توحي بأن حكومة الاحتلال تشد الحزام وتستعد لمواجهة قريبة تسعى من خلالها لفرض أمر واقع جديد في المشرق.
أمام هذه المخططات، تفرض الحقائق الجيوسياسية والميدانية في سوريا نفسها عبر الركائز التالية:

- معادلة الردع الصلبة: دمشق اليوم ليست في موقف ضعف سياسي أو استراتيجي؛ والتفكير في خوض معركة مفتوحة معها لن يكون نزهة على الإطلاق. فالمجتمع السوري لا تزال الجندية والروح القتالية متجذرة فيه كنظام حياة لدى شبابه، مما يجعل أي مغامرة عسكرية صهيونية في العمق السوري مستنقع استنزاف مكلفاً لا طاقة للاحتلال بتحمل تبعاته.
- الاستثمارات العربية كـ “درع ناعم”: على الرغم من أي ملاحظات قد تُسجّل على بعض مشاريع الاستثمار العربية والخليجية في دمشق، إلا أن حضورها اليوم يتجاوز البعد الاقتصادي ليُشكّل “سلاحاً ناعماً” وورقة ضغط سياسية ودبلوماسية فاعلة؛ إذ يربط أمن واستقرار العاصمة السورية بشبكة مصالح إقليمية كبرى (ضمن توازنات “حلف الماس السني” والدول الصديقة له) يصعب على الاحتلال القفز فوقها أو تهديدها بسهولة.
- تحصين الجبهة الداخلية كضرورة أمن قومي: الصمود العسكري والاستراتيجي لا يكتمل إلا بحاضنة شعبية متماسكة. وهنا تبرز الحاجة الملحة لتعزيز القوة الداخلية عبر إيجاد حلول سريعة وملموسة للمشكلات المعيشية واليومية للمواطنين، وتكاتف مؤسسات الدولة مع الشعب، بالتوازي مع تفعيل دعم اقتصادي عربي وإقليمي حقيقي يثبّت أركان الدولة ويُفشل رهانات الحصار.
- الأولويات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة: إن تفكيك وإحباط “ورقة السويداء” التي يحاول الاحتلال العبث بها كخاصرة رخوة، والعمل على إنهاء الاحتلال في قمة جبل الشيخ، يمثلان هدفين استراتيجيين حاسمين في المرحلة المقبلة، ولا خيار أمام الدولة السورية إلا النجاح الكامل في إنجازهما لتأمين الجنوب ومصادر المياه.
إن القيادة السورية التي استطاعت تحقيق مكتسبات تاريخية كبرى منذ تحقيق النصر — بدءاً من إنهاء حالة الفصائلية وتوحيد المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى حسم وحل معضلة “قسد” وتثبيت سيادة الدولة — تمتلك اليوم من الحنكة السياسية والصلابة العسكرية ما يكفي لإفشال مخططات الخنق المائي والعسكري، وتحويل أوهام الاحتلال في الجنوب السوري إلى انكسار جديد.
مهندس مدني خريج جامعة حمص يعمل في مجال المقاولات والاستشارات الهندسية في السعودية ناشط سوري مهتم ومتابع للشأن المحلي والاقليمي والدولي، مشارك في العديد من ورشات العمل الشبابية و الدعوية، مهتم بالوعي الشبابي و نشر الثقافة المجتمعية
كل مقالات الكاتب ←

