البراغماتية المبدئية و الانتهازية


Executive Summary: The Paradox of Principle and Pragmatism in Political Survival

In this analytical piece, Hussam  Najjar explores the intricate tension between steadfast principles and political pragmatism. He argues that politics is not a purely moral arena, nor is it a void of values; rather, it is a struggle within an unjust reality where choices are governed by “the possible” rather than “the ideal.”Key Insights:

  • Principled Pragmatism vs. Opportunism: Pragmatism should not be viewed as a betrayal of principles, but as a tactical necessity to prevent the premature crushing of a movement. The author distinguishes between “opportunistic pragmatism” and “principled pragmatism” aimed at empowerment and survival.
  • The Survival Instinct: Political loss is often a result of structural weakness rather than moral failure. In such cases, total confrontation can become “political blindness,” whereas a tactical retreat is a maneuver for continuity, not a surrender.
  • The Cost of Exit: Withdrawing from the political equation under the guise of moral purity is characterized as “political suicide.” The world does not reward moral steadfastness in isolation; it respects those who remain influential or impose a high cost for their exclusion.
  • The Strategic Balance: True political action lies in the harsh balance between maintaining an uncompromised core (the principle) and possessing the agility to maneuver (the pragmatism). Without survival, a principle remains a mere slogan; without a principle, pragmatism descends into mere opportunism.

Conclusion: Politics is a long-term battle of endurance, much like a boxing match where one might lose rounds but win by a knockout through resilience and exhaustion of the opponent. To exit the game early is to lose even the right to be proven wrong later.

مدونة يصائر

يقف الأفراد و الجماعات التي تتخذ من مبدأها، هدفاً لعملها، وتحاول السير به للوصول إليه و تحقيقه، في حيرة من أمرها ، معتقدين أن البراغماتية نقيض له و انحراف عن الخط ، و أنها طريق للوصول فقط و ليست سياسة تجنب الخسارة و الانزواء، و أن التمكين يحتاج لعوامل و أدوات ،و في مرحلة ما للبراغماتية المبدئية، و ليست البراغماتية الانتهازية، و مع  تسارع الأحداث قد يؤدي إلى حدوث شروخ عديدة، هذه الحيرة مردها لعدم فهمٍ أو عدم وجود استعداد نفسي لتقبل الأمر.

يخطئ من يظن أن السياسة ساحة أخلاقية صافية، كما يخطئ من يظن أنها مستنقع بلا قيم. السياسة في جوهرها صراع داخل واقع غير عادل، تُدار فيه الخيارات لا وفق ما يجب أن يكون، بل وفق ما هو ممكن، وما يمكن تحمّل كلفته. من هنا ينشأ التوتر الدائم بين المبدأ والبراغماتية، لا بوصفهما نقيضين مطلقين، بل بوصفهما مستويين مختلفين من الفعل.

المبدأ ليس أداة للمناورة، و ليس خطة عمل، بل اتجاه عام، خط لا يُفترض تجاوزه. لكنه في الوقت نفسه ليس خطة تنفيذية جاهزة. الممارسة السياسية هي ما يحدث عندما يصطدم هذا الخط بواقع مختلّ في موازين القوة، عالم لا يكافئ الاستقامة بذاتها، ولا يعاقب الانحراف تلقائيًا. العالم، كما هو، يكافئ من يستطيع التكيف معه، أو من يفرض كلفة على تجاهله.

من هنا، لا تكون الخسارة دائمًا نتيجة خطأ أخلاقي، بل نتيجة ضعف بنيوي. الفرد أو الجماعة قد يخسرون لأنهم أضعف، لا لأنهم على خطأ. في هذه الحالة، يصبح الإصرار على المواجهة الشاملة ضربًا من العمى السياسي، لأن الخصم الأقوى لا ينتظر إلا هذا النوع من الصدام ليحسم اللعبة دفعة واحدة.

قراءة الواقع و اللعب على المتغيرات، و وضع الخطط بناءً على هذه التغيرات، هي نتاج للوعي و التكيف وإدارة المصالح وفقها، بحيث لا تبتعد عن جوهر مبدئها.

السياسة ليست مباراة واحدة، بل سلسلة جولات. خسارة الجولة لا تعني نهاية الدور، أما الخروج من اللعبة فيعني ذلك تمامًا.

في رياضة الملاكمة أو رياضة أخرى، قد تخسر كل الجولات لكنك تفوز بالضربة القاضية، هذه النتيجة كان سببها قوة التحمل، و استنزاف الخصم، و بالوقت نفسه لم تبتعد عن تحقيق هدفك بالنصر.

أما الخروج، و رمي المنديل الأبيض، سواء جاء على شكل يأس، انسحاب أخلاقي، أو رفض كامل للمناورة، هو انتحار سياسي أو فكري، لأنه يُسقط صاحبه من المعادلة ويمنح خصومه الساحة كاملة، من دون كلفة تُذكر.

هنا يظهر الفرق الجوهري بين التراجع والاستسلام. التراجع هو تعديل تكتيكي في المسار من أجل البقاء فاعلًا. الاستسلام هو التخلي عن القدرة على الفعل.

هذا الانتحار الذي يؤدي للخروج من المعادلة، و عدم القدرة على العودة لاحقاً ،حتى أمام المؤيدين و الداعمين، إنه خسارة نفسية مبدئية و تعزيز لعدم القدرة للدفاع عن الاعتقاد الراسخ.

البراغماتية لا تعني التخلي عن المبدأ، بل تعني إدارة الحركة داخله بأقل خسائر ممكنة. هي لا تصنع الاستقامة، لكنها تمنع سحقها مبكرًا.

الخطأ الشائع هو اعتبار كل تنازل خيانة، وكل مرونة ضعفًا. في الواقع، الضعف الحقيقي هو فقدان القدرة على المناورة. من لا يملك هامش حركة يصبح هدفًا سهلًا. أما من يدير حضوره وغيابه، صدامه وهدوءه، فيحافظ على موقعه داخل اللعبة حتى لو خسر جولات.

إن الانحناء أما العاصفة القوية، لا يعني الضعف، و لا يعني التسوية، و لا يعني الخوف، بل هو وسيلة و أداة لتبديد قوة هذه العاصفة،

إن الظهور بمظهر البعيد ( عن التأثير) ليس دائمًا انسحابًا. أحيانًا يكون أداة دفاعية، وسيلة لتقليل الاستهداف، أو لرفع كلفة الضرب، أو لإرباك الخصم. الفرق بين البعد والانسحاب أن الأول مؤقت، محسوب، ويحتفظ بخط الرجعة، بينما الثاني يقطع كل إمكانيات العودة.

و عندما يكون هناك تهديد سياسي فهو لا ينشأ فقط لأنك خصم، و أن الطرف المقابل متربص بك لقوتك، بل لأن استهدافك منخفض الكلفة، و لا يشكل عبئاً عليه، بل قد يكون أكثر حسماً من بقائك باللعبة.

هنا يأتي دور البراغماتية، التي تعمل كمنظم، و موجه، كأداة لمنع التهديد، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التعقيد: تعقيد صورتك، موقعك، وتوقيتك. ليست كل المخاطر قابلة للإلغاء، لكن كثيرًا منها يمكن منع تحوّله إلى فعل.

أما العالم، فلا ينبغي إسقاط التوقعات الأخلاقية عليه. هو لا يكافئ الثبات الأخلاقي، ولا يعاقب الانتهازية تلقائيًا. هو يتعامل مع من يميل معه لأنه قابل للإدارة، أو مع من يفرض نفسه لأنه مكلف( في سحقه و الانتهاء منه بكافة تبعاته ).

 المشكلة ليست في المبدأ، بل في الاعتقاد أن العالم سيكافئ صاحب المبدأ على مبدأه.

لهذا، فإن الاستقالة عندما “تنتهي اللعبة” ليست بطولة، بل إنهاء ذاتي للدور. هي اختيار الحفاظ على الكينونة على حساب الفعل، والرمزية على حساب التأثير. السياسة لا تحترم من ينسحب، بل تنساه.

الخلاصة أن المبدأ بلا قدرة على البقاء يتحول إلى شعار، والبراغماتية بلا مبدأ تتحول إلى انتهازية. الفعل السياسي الحقيقي هو التوازن القاسي بين الاثنين: أن تعرف ما لا تتخلى عنه، وأن تعرف كيف تتحرك كي لا تُقصى قبل أن يحين وقت التأثير الحقيقي. السياسة ليست امتحان نوايا، بل معركة بقاء طويلة، ومن يخرج منها مبكرًا يخسر حتى حقه في أن يُخطئ لاحقًا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

أحدث المقالات

من الثورة إلى المؤسسات: كيف تُبنى الدولة في زمن الانتقال؟

يتساءل الجميع عن الخطوات التي تسير بها الحكومة المؤقتة...

زيجات صنعت الحروب وأسقطت الدول

كلما زادت قراءات المرء كلما نتج لديه أفكار جديدة...

الذئاب المنفردة….طريقة عمل

أنجبت الساحة السورية عناصر جهادية فاعلة و مؤثرة في...

غذي روحك …..أنا ما زلت حياً

https://www.youtube.com/watch?v=uQLdr-LMOB8

العناوين

محادثات سورية – إسرائيلية برعاية أمريكية

قناة ميدي 1 تي في المغربية برنامج الحصيلة مع الجوهرة...

داعش من جديد في سورية: من المستفيد

قناة ميدي 1 تي في  برنامج الحصيلة ....المقدمة : الجوهرة...

تحالف الضرورة و الهيكل الثالث : قراءة في الصهيونية المسيحية

 مقدمة: "ما وراء السياسة" لا يمكن فهم التحولات الدراماتيكية في...
spot_img

ذات الصلة

التصنيفات

spot_imgspot_img