الخاتمة:
بعد أن استعرضنا في هذه السلسلة تاريخ الفكرة الصهيونية والمستندات الفكرية لها وتفاعل هذه الفكرة مع الواقع عبر الزمان وصولاً لنشوء الحركة الصهيونية كحركة سياسية تعيش في كنف المجتمع السياسي الغربي وضمن نسقه الحضاري, وأعمالها حتى سرقت جزءً من بلادنا لتوطن الأغراب فيها عنوة بعد بطرد أصحابها الأصلين منها. علينا أن نوجز الملاحظات وخلاصة الأفكار الأساسية التي تساعدنا على فهم الواقع وبناء تصور عن المستقبل وتوجهاتنا فيه.
كثيراً ما حاولت التيارات العلمانية القومية العربية منها والشيوعية فك الارتباط العضوي بين اليهودية والصهيونية لأن ذلك الارتباط يضرب أساس الفكرة التي يدعون إليها القائمة على فك الارتباط بين الدين والحياة, ولكن الواقع أثبت أن الصهيونية في مبتدأها وأفكارها ومنطلقاتها تقوم على الأساطير التوراتية والتلمودية ولا انفكاك بينها وبين تلك الأساطير, والتي وإن عمل على إرسائها يهود في أغلبهم علمانيون بل كان بعضهم من الملحدين ومن ورائهم أوربيون مسيحيون متصهينون كذلك كانوا في أغلبيتهم من العلمانيين.
فادعاء أن الصهيونية قامت على أكتاف العلمانيين وأنها حركة علمانية يؤدي بالضرورة لفصلها عن ديانة يهود, مقدمات صحيحة واستنتاج خاطئ, يسقطه فهمنا للفارق الواضح البين بين دين الإسلام دين الحق الذي يشرع للإنسان كل حركاته وسكناته وينظمها وبين الأساطير اليهودية النصرانية التي منذ أن حرفت تعاليم الرسل الأصلية, صارت أديان بشرية قابلة للعلمنة وتعطي الفرصة للطبقات غير الدينية للإيمان بها وبهرطقاتها وأهدافها النهائية دونما حمل لتكاليف شرعية, بل إن النصوص الدينية اليهودية مليئة بالمادية والتجسيد والدنيوية, ونجد أنها كانت منطلقاً مهماً نحو العلمنة ذاتها. ولنا كذلك في الحروب الصليبية خير دليل على كلامنا إذ خاضها الملوك والأمراء الإقطاعيون وكان بعضهم من المحرومين كنسياً لأهداف دنيوية لها دوافع سابقة دينية مرتبطة بأساطير وافتراءات الرهبان والقساوسة, وقد رأينا كيف يؤمن من يقدس المنهج التجريبية كبيكون ونيوتن بالأساطير التوراتية ويجدون فيها علماً يستحق التنقيب والبحث خلفه, كما أن الصهيونية التي بدأت في أحضان المسيحية الغربية وكانت غريبة عن اليهود, استطاعت أن تخترقهم فلم يعد الصوت اليهودي المعارض لقيام إسرائيل بعد نشوء الدولة بقليل ذا أهمية أو وزن بل إنه في يومنا هذا لا يتعدى الأفراد والجماعات المحدودة التي تعد بالآلاف القليلة ليس أكثر وهم إن خالفوا الرؤية الصهيونية لا يعني أنهم يتفقون معنا في رؤانا وأهدافنا وعلى كل حال فهم الشاذ الذي يثبت القاعدة ويعاملون بمفردهم وحسب مواقفهم التي لا يمكن بحال أن نستنتج منها الفصل بين الصهيونية واليهودية.
وأي مسلم يعلم كم النصوص في القرآن التي تحذر من بني إسرائيل واليهود وتصف شرور فعالهم وخسة طبعهم وإن كانت تنصف المؤمنين منهم في زمانهم إذ لا يقبل إيمان بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بغير الإيمان برسالته ودينه، وقد حيرت هذه الآيات القائلين بالفصل بين الصهيونية واليهودية وأشهرهم المسيري رحمه الله وهو من دعاة الفصل وقد اقترح لحل مشكلة فكرتهم مع تناول القرآن الكريم الكبير والمباشر لليهود ووصف من كفر منهم بعد أنبيائهم بأشنع الأوصاف والتحذير الشديد للمؤمنين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم منهم, حيث قال رب العزة بصريح العبارة أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا, فكرة النموذج التفسيري (أي أن من ذكروا في القرآن أناس مخصوصون ومحددون بزمانهم, فالآيات لا تخص بقية اليهود في باقي الأزمان بل تخص كل من اتصف بتلك الصفات من يهود أو غيرهم) فإننا نوافقه على أن ذلك النموذج يشمل كل من اتصف بتلك الصفات وهو مذموم بنص القرآن ولكننا نخالفه في رأيه القائل باستثناء يهود زماننا غير المتصهينين منه فلا وجاهة لهذا الرأي ولا دليل عليه, فالنص القرآن خاص بمن ذكرهم وهم عموم اليهود في كل زمان ومن لحق بهم وبأساطيرهم وأخلاقهم التي صارت اليوم أصلاً من أصول الحضارة الغربية, فلا دليل لا فقهي ولا تفسيري ولا واقعي على هذا الانفكاك.
وبذلك نرى بأن مشكلتنا أوسع من أن تكون مع اليهود وحدهم بل هي قبل ذلك مع داعميهم الذي سهلوا لهم كل خطوة ولولاهم لما تحققت أساطيرهم. فلولا التخطيط والدعم البريطاني اللامحدود لما وجدت تلك الحركة موطئ قدم لها ذا أهمية في الأرض المقدسة غرب النهر, كما أن إعلان الدولة العبرية كان بدعم أمريكي كامل رافقها في كل خطوة تلت ذلك من حروب أو مشروع سلام أو تطبيع كان بإدارة و تنسيق أمريكي بحت, ولولاه لما استطاع مجموعة من شذاذ الآفاق فرض أنفسهم على المنطقة, ومرد ذلك للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي تشكل جزءً من دين هؤلاء, ولإيمانهم السابق لإيمان اليهود بقدسية المشروع اليهودي في فلسطين.
هو صراع حضاري يدور على هذه الأرض وبمراجعة بعض الصفات التي ذكرها القرآن لليهود نجدها تنتطبق بشكل بين, على حضارة الغرب اليوم الذي لا يواري بأنها حضارة مسيحية يهودية.
فتقديس الحياة الدنيا وجعلها مستقر الإنسان ومنتهاه ونسيان الآخرة صفة من صفاتهم التي وصفهم القرآن بها (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)…) سورة البقرة.
وهي محور أساسي اليوم من محاور حضارة الغرب القائمة على تجاهل الغيب والآخرة والعيش للدنيا وملذاتها.
كذلك وصفهم الله بالشح والبخل وعبادة المال ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)) سورة النساء.
الذي هو محور الحياة والصراعات في فكر الحضارة الغربية , وفي تضليلهم للناس والاحتيال عليهم بل على رب العباد جل وعلا بعيداً عن أي إيمان ومبدأ وقصتهم التي حكاها القرآن مع يوم سبتهم معروفة,وقد زينت الحضارة الغربية هذه المخادعة وحولتها لعلوم كالإعلام والتسويق والأعمال التي يتم التحرك فيها بعيداً عن أي مبادئ نهائية غير مصلحية, فصدقهم مصلحة وأمانتهم لمصلحة ووفاؤهم لمصلحة وهم أبعد ما يكون عن ذلك ساعة اختلاف المصالح.
وفي احتقارهم للأنبياء والصالحين وتعاملهم الوقح مع المقدسات ومع رب العزة و الجلالة تعالى عما يصفون( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)) سورة المائدة.
وهو ما نراه اليوم صريحاً في الغرب تحت شعار حرية التعبير فلا مقدس في هذه الحضارة سوى الصهيونية نفسها والمادية وكل رذيلة ودنيئة من شذوذ وما شابه, فهي حضارة تستقي جزءً من خلفيتها الثقافية من تلك الشخصية التي أبدع القرآن في بيان وصفها.
كذلك نرى أن مشكلتنا مع الغرب نفسه حين نعلم أن هذا الكيان مازال يعيش على الدعم الغربي والمساعدات إلى اليوم, وأي حديث عن تفوق علمي وتصنيعي لن يجدي في استمرار وجود هذا الكيان إن توقف صنبور المساعدات الغربية عن الضخ.
فلا حل ولا تقدم في هذا الصراع ما لم يضعف الغرب نفسه وتصبح الصهيونية عبئاً عليه عندها سيتركون أبناء حضارتهم في فلسطين ليواجهوا مصيرهم وهو ما فعله أمراء الغرب مع بقايا الصليبين بعد حطين.
على الجانب الإسلامي فإن الغرب نجح بدفع المسلمين لجعل القضية قومية ثم تقزيمها لتكون وطنية وحصرها بصراع حول دولة ووطن وأرض, ومن يؤمن بذلك يرى العرض ولا يتجه للمسببات, ولن يسير باتجاه الحل, فقضية المسلمين في فلسطين هي قضية كل المسلمين وجزؤ من مشكلتهم العامة في محاولة الانفكاك من سيطرة عدوهم الحضاري عليهم, ولا خصوصية لقضية فلسطين سوى قدسية المكان واستمرار الصراع عليها وارتباطه بكل صراعات المنطقة. فحقيقة لا نعلم أي جيل ومسلموا أي أرض سيعيدون الأرض المقدسة ويدخلونها ويستقرون فيها حقاً وسلماً ورضاً لا عنوة وغصباً, وهذا ما حصل عندما دخل صلاح الدين القدس سابقاً وهو الذي قدم من بلاد بعيدة ليخدم الأمة في هذه البقعة. أما إن ركنا على أنها قضية أرض ووطن لا يسبق وجوده في مصطلحات السياسة الدولية قيام إسرائيل سوى بثلاثين سنة تحت سلطة احتلال بريطاني رسم حدوده, فبعد جيل أو اثنين لن يكون من المنطقي وفق هذا الطرح الوطني أن يطالب فلسطيني عاش في سوريا أو الأردن أو في أي مكان قدم جده الرابع من غرب النهر, يهودياً يعيش غرب النهر بأرض ولد فيها جائها جده الرابع أو الخامس من بولندا, وستضيع القضية وهو ما يرسم لها بمشاريع التوطين والأوطان البديلة التي سيموت من يقاومها اليوم ويقبل بها من يعيش المشاكل الحياتية المعقدة غداً.
إن قضيتنا مع الصهاينة إسلامية بحتة وهي داخلة في لب الصراع لانعتاق من سلطان حضارة الغرب المفروض علينا ولا بقاء لها سوى ضمن هذا البعد, الذي يربطني ويربط غيري بها وبأهلها الذين هم أهلنا وشعبنا وامتنا.
قد يهد الأقصى, وقد يقام الهيكل في ظل تقاعس القيادات وجهل الشعوب, ولكن الوعد الذي تحدث عنه رب العباد في سورة الإسراء وعد صدق سيحقق اليوم أو غداً, أو في قادم الأيام, وهي رؤية يجب أن لا تغيب عن نظر أي باحث أو عامل لقضية المسلمين في فلسطين.
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7)) سورة الإسراء.






